خواطر على هامش الخلاف المغربي السعودي من الذي سّرب رسالة العاهل المغربي الى خادم الحرمين الشريفين؟

يوسف اتباتو

وأنا أقرأ عن استدعاء المغرب لسفيريْه بكل من السعودية والإمارات، قفزت إلى ذهني إحدى الوثائق المسرّبة التي تمس واحدة من أهم دعائم العلاقات المغربية السعودية وربما الخليجية كلها. يتعلق الأمر بمشروع رسالة كان من المفترض أن يرسلها ملك المغرب محمد السادس إلى خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز. ونقدّر أن لب الرسالة كامن في هاتين الفقرتين:

…’’ فقد ارتأيت إيفاد مستشار جنابنا الشريف الأستاذ الطيب الفاسي فهري، مبعوثا خاصا لدى جلالتكم قصد مفاتحتكم بخصوص أفضل سبل الدعم المباشر لتجاوز إكراهاتنا الظرفية في نطاق سعينا لتجاوز الضائقة الاقتصادية و المالية التي يمر بها اقتصادنا الوطني بفعل عوامل ومؤثرات دولية و إقليمية، ومخلفات أحوال مناخية صعبة.

وغير خاف على جلالتكم الانعكاسات الوخيمة لهذا الوضع على التوازنات المالية والنفقات العامة الموجهة لتأمين تمويل الاوراش والمخططات التنموية، وتغطية الحاجيات البشرية والتجاوب مع المتطلبات الاجتماعية الملحة والمستعجلة ….’’

من حيث المضمون يمكن أن نزعم ألاَّ اكتشافات جديدة ولا أسرار؛ ملك المغرب يطلب مساعدة مالية من الأشقاء السعوديين. كما أن الإعلام المغربي لطالما تحدّث بنوع من الإمتنان عن مساعدات وهبات تأتينا من بلاد الحرمين. زِد على ذلك وجود ثمّة قناعة، على الأقل في المغرب، أن بين البلدين علاقة استراتيجية تتجاوز الدبلوماسية إلى صداقات شخصية وعائلية. وما يقال عن الوشائج بين المغرب والسعودية يكاد ينطبق على دولة الإمارات، حيت كان الإنطباع أن المرحوم زايد خاصة خلال أعوامه الأخيرة يُمضي من الوقت في المغرب أكثر مما يقضيه في الإمارات. فما الذي اسْتجدَّ حتى تجهمت الوجوه واستُلّت الألْسنة الحِداد، واستُقدِم السفراء؟

لا جرم أن ثمة ” امتعاض عالمي ” تجاه العربدة التي تصدر من القيادة الجديدة في البلدين الخليجييْن. نتكلم عن حرب اليمن، وعن ” منشرة القنصلية ” وعن دوْرٍ ما في شيء يسمى صفقة القرن، وعن شراء ذمم، وعن تجسسات وعن.. وعن… وعن مدى الفجور الذي تفننت في صياغته الدولتان خلال خصوماتها سواء مع قطر أو مع الحركات الإسلامية، أو حتى مع بعض الأصوات المستحيية من الداخل… كما أن الإمعان في حرمان المغرب من تنظيم كأس العالم وتحريض دول أخرى كالأردن ولبنان على التصويت ضده، إضافة إلى اللمز الذي مارسته قناة سعودية مقيمة في الإمارات حيال الوحدة الترابية للمغرب، أضفى على الامتعاض نكهة محلية.

من جهة أخرى لا يمكننا إلا أن نتفق مع الأستاذ بلال التليدي الذي وصف تصريف المغرب لانزعاجه من تصرفات الأشقاء ب ” الأنيق ”، وكنا نودُّ أن يظل كذلك وأن يتريث صناع القرار في المغرب قبل الإنتقال إلى سرعة أعلى.

والواقع أنه لا يمكن اتهام المغرب باقتراف بدعة في الأعراف الدبلوماسية حين استدعى السفيريْن، فتلكم ممارسة جاري بها العمل في السياسة الدولية. ولقد سبق للمغرب أن استعملها مرتين في سنة 2007 مرة ردا على تصريح مسؤول في الحزب الاشتراكي السنيغالي، ومرة ثانية تجاه إسبانيا إثر عزم الملك خوان كارلوس زيارة سبتة ومليلية. في المقابل، نعتقد أن المغرب كان أمامه يومها هامشا مُريحا للمناورة أمام الشقيقة السنيغال إذْ أن هناك نوع من النِدِّية في العلاقات بين البلدين، كما ان البدائل متوفرة للطرفين. بيد أن هذا الهامش سيضيق نسبياً على المغرب وهو يناكف إسبانيا، ذلك أن كل الأرقام و كل المؤشرات كانت، ولا تزال، ترجح كفة إسبانيا على حساب الجار الجنوبي، لوْلا بعض الأوراق التي يملكها هذا الأخير -خاصة الصيد البحري، الهجرة و الأمن- والتي تجعل منه الوِجهة الخارجية الأولى لجل رؤساء الحكومات الإسبانية.

فماذا إذن عن هامش المناورة التي يملكها المغرب قبالة السعودية والإمارات؟

” الأوباش ‘‘، جرِّب وانطق هذه الكلمة أمام مغربي عايش إضرابات 1984، سيبتسم بمرارة وغالب الظن سيترحم على الحسن الثاني … جاع المغاربة يومها وتململوا فخطب فيهم الملك، نَهرَهم ونعتَهم بالأوباش… تصادفت الإضرابات بقمة الدار البيضاء الإسلامية، وكان من بين الحضور المرحوم زايد بن سلطان الذي ما أن علم بالضائقة المالية للمغرب حتى وقَّع شيكا بقيمة 200 مليون دولار. (العُهدة على ‘’ الأمير المنبوذ ”، مولاي هشام، الذي تولّى شرح الوضعية للعاهل الإماراتي.)

 30سنة بعد ذلك، سنجد نفس المغرب يتأفف من بطء تدفق الهبات الخليجية، ويتعلق الأمر بتعهد كل من السعودية والإمارات، الكويت وقطر بضخ 5 مليار من الدولارات في ميزانية المغرب بين سنة 2012 و2016. ويبدو أن الصَّبيب لم يكن كما المتوقع، لكن المَعين حتما لم ينضب.

لسنا نبغي تأْريخ المساعدات الخليجية للمغرب ولا توثيقها، كل ما نروم إليه هو القول بأنّ هبات الخليج للمغرب لم تكن لغرض تجاوز إكراهات المغرب ” الظرفية في نطاق سعينا لتجاوز الضائقة الاقتصادية والمالية التي يمر بها اقتصادنا الوطني بفعل عوامل ومؤثرات دولية وإقليمية، ومخلفات أحوال مناخية صعبة”، بل تكاد تشكِّل إحدى الموارد الثابت للدولة والتي يستعين بها المغرب لترميم ” التوازنات المالية والنفقات العامة الموجهة لتأمين تمويل الاوراش والمخططات التنموية، وتغطية الحاجيات البشرية…”.

للمرء أن يقول بأنَّ الهبات لم تكن دون مقابل وأن المغرب أرسل جنوده غير ما مرّة إلى البلدين، كما أنه كان مساهماً في التحالف العربي باليمن… نتجاوز لعبة الموازنة بين ما أخذ المغرب وما أعطى لنتطرق إلى بدائل الطرفين إن استقبالاً تعقدت الأمور لا قدر الله.

 بالنسبة للسعودية والإمارات، ورغم بعض الغبش الذي يخيم حاليا على سمعتيهما فإنهما تظلان دولتين غنيتين جداً تستطيعان شراء كل احتياجاتها ـالغذائية، التقنية والأمنية ـ دون مشاكل تُذكر، و هما دولتان تتوجسان من إيران، تحترمان إسرائيل وكل همهما و غمِّهما هو كسب مزاج صناع القرار بالولايات المتحدة و دون ذلك يندرج إما في خانة الغير المستعجل أو خانة الغير مهم… وبالتالي فلا أخال البلدين مضطرين أن يبحثان للمغرب بديلاً. في حين أن هذا الأخير، لو خسر ” خير وأقوى سند وداعم لنا في تخطي هذه الظرفية الاستثنائية، بما عهد (فيهما) من صنائع شهمة ومبادرات نبيلة وإشارات تضامنية، (كان) يستحضرها الشعب المغربي بكل مشاعر الاعتزاز وعظيم الامتنان ” (حسب الرسالة الملكية)، فسيكون البديل المستعجل هو قطر، أو بالأحرى طلب المزيد من قطر. مرة أخرى، سنتجاوز قياس مدى سطحية واختزالية هذه المقاربة.

ورغم كل ذلك، فالذي يحز في النفس الآن ليس ردة فعل المغرب في حد ذاتها، على كل علاّتها، بل الطريقة التي أخذ بها هذا القرار.

عند دراستنا للعلاقات الدولية، عرّجنا على مبحث اسمه نظرية اتخاد القرار، وهي نظرية تتقاطع مع المقاربة الواقعية لكنها تولي أهمية أكثر للأفراد كصنّاع نهائيين للحدث. يُعاب على هذه النظرية تجاهلها لعدة معطيات موضوعية، في المقابل تتميز بنوع من البساطة والقدرة على التفسير المباشر لبعض الوقائع… فهلاّ حاولنا تطبيق هذ النظرية لفهم وتفكيك بعض تمظهرات السياسة الخارجية للمغرب.

منطق الأشياء يؤزنا أن نولي وجهتنا نحو وزارة الخارجية حيث المطبخ المفترض للسياسة الخارجية للبلد و حيث الوزير و الوزير المنتدب ثم الكاتب العام للوزارة ثم الديوان والمديريات والأقسام … نستفسر عن الآليات التي استخدمت في اتخاذ قرار ما، عن أعضاء خلية الأزمة وعن الخيارات التي كانت مطروحة وعن الحالة الأسوأ ، ولجنة المتابعة و التقييم ، وعن … و عن… فيهمس في أذننا شخص ، يرفض الإفصاح عن هويته ، إن السياسة الخارجية ” مجال سيادي ” ، لك أن تتغابى و تستفسر عن معنى هذه الكلمة فيزيد من خفض صوته ” إنه أمر يخص الملك ”، و الملك في القصر و للقصر جدران و الجدران عالية ، عالية جداً . وفي أبواب القصر حراس، حُراس كثر. لك أن تستميت خاصة إن كنت من التلاميذ الأوفياء لريتشارد سنايدر رائد نظرية اتخاذ القرار، لك أن تحاول الكرّة والكرّتين، ستفشل في نهاية المطاف وسترجع خاسئاً وأنت حسير. ستلجأ بعدها إلى أحد المقاهي الشعبية كي تستريح وتنصت إلى الإشاعات والقيل والقال تارة حول مشادة بين زوجة الوزير و حرَم السفير في روما، و تارة عن رهان خاسر بملايين الدولارات على هيلاري كلينتون … حتى إذا أزفت ساعة الذروة، سيتوقف البث التلفزي لتلاوة بلاغ يعلن عن إغلاق الحدود مع الجزائر أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع فينزويلا وإيران أو عن استدعاء سفير من هنا وآخر من هناك. وبعدها ينبري الخبير القانوني ليُؤكد دستورية القرار بحكم أن الملك هو الممثل الأسمى للدولة ثم يليه الفقيه فيذكرنا بوجوب طاعة أولي الأمر ويحضُّنا على الإعتبار بما يحصل في سوريا وليبيا… فتمسي أنت ونظريّتك وقد أتخمكما التساؤل ولربما أثخنكما: من اتخذ القرار، ومَن أفتى على مَن؟ ومن سيتحمل المسؤولية إن تبدّى أن القرار لم يكن صائبا وأن له انعكاساً سلبيا على الوطن والمواطنين…؟

أوردها سعد وسعد مشتمل **** ما هكذا يا سعد تورد الإبل

نعود إلى حيث بدأنا ؛ وثيقة مقرصنة في إطار ما عرف بتسريبات كريس كولمان. الأمر يتعلق برسالة كتبها سنة 2012 سفير المغرب بالبحرين للمستشار الملكي السيد الطيب الفاسي الفهري، و التي استهلها بهذه الجملة ”وبعد، تبعا لتعليماتكم، أتشرف بأن أبعث إلى سيادتكم، رفقته، مشروع رسالة من سيدنا المنصور بالله لخادم الحرمين الشريفين (نموذج)، مجددا لكم صادق تمنياتي بالنجاح الكامل في مهامكم السامية ” .

الأصل أننا كمغاربة علينا أن نستنكر وندين ونستهجن هكذا تسريبات، إذ مهما كان حنقنا على طريقة التدبير، نبقى غيورين على البلد وحريصين ألا ننكشف أمام العالم. لكنا أمام الإستفراد باتخاد القرار نجد أنفسنا كما كانت تيْم في زمانها:

  وَيُقْضى َ الأمْرُ حينَ تَغيبُ تَيْمٌ*** وَلا يُسْتَأمَرُونَ وَهُمْ شُهُودُ

فنبيتُ ظمأى لمعرفة ما يُفعل بنا وبالوطن نستسقي قطرات أخبارنا ولو من الشيطان نفسه.

يبدو، والله أعلم، أنه ذات يوم أمر الملك مستشاره في السياسة الخارجية أن يدبج خطابا لخادم الحرمين يستفتحه بخصوص دعم مالي، فارتأى المستشار أن يكلف بهذه المهمة سفير المغرب في البحرين. وفعلا أرسل السفير إلى السيد المستشار مشروع الرسالة من المنامة إلى الرباط عبر وسيلة اتصال ذات تحصينات متوسطة مما عرّض هذه المراسلة للقرصنة، ولتبقى بعض الأسئلة دون جواب، لماذا …و كيف…و من… والسور عالي و الحرّاس كُثر…

لا نريد تحميل موضوع الرسالة أكثر مما يحتمل، إنما اتخذناه توطئة لنحذَّر من مغبة الخضوع لسطوة اللحظة ولردود الفعل الغير المحسوبة العواقب. كما أردناها ـ أي الرسالة ـ نافذة تمكننا، على صغرها، من رصد مدى اهتراء منظومة اتخاذ القرار وكيف أن الأمور تسيَّر بطريقة شبه سوريالية..

 ودون أن نتعالم على أحد ودون أن نزايد على ذكاء ولا وطنية أحد، ودون نستسهل الأمور، نعتقد أن الحل يبتدئ بتفادي الكوْلسة وربط المسؤولية بالمحاسبة. والله أعلم.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here