خمسة وعشرون عاماً فصول من حكاية مشتركة

شعيب حليفي

    مرّت خمسَةٌ وعشرونَ عاما على تأسيس مختبر السرديات (1993-2018)،كأنها يوم واحد للتعبّد في حرم الجامعة المغربية. فكرةٌ بدأت امتدادا لحلم جماعي نبيل، يُؤمن بِصَوْن الحياة والخيال من خلال الآداب والتفكير العلمي الفاعل. فكرةٌ أسهمَ في تشكيل ملامحها باحثون شباب، التحقوا حديثا بالجامعة، مفعمون حماساً وطموحاً إلى البحث العلمي والثقافة المغربية في سياقهما المحلي والعربي والعالمي، إلى جانب مثقفين يتأبطون كلماتهم الباحثة عن ساحاتها وأسئلتها.

 خمسةٌ وعشرونَ عاما من البحث والثقافة والتكوين مرَّتْ، ليست الآن، في تقييمنا الأوَّلي، سوى عتبة للانتقال إلى المشروع الذي كنا نفكر فيه دوماً، والمرتبط، أساساً، بهوية واضحة وأفق منفتح.

ولعلّ أهمية مختبر السرديات، بعد هذا التراكم الزمني الزاخر، المتميز بالإنتاج الفعليِّ، ليست في كونه أقدم مختبر بهذا الاسم والصيغة والرؤية، في الجامعة المغربية والعربية، وإنما أهميته الحقيقية تمكنُ في إصراره على ترسيخ جدوى دور البحث العلمي والعمل الثقافي وأهميتهما وقيمتهما، في صياغة تفكير جديد ومتجدد، يُقاومُ التكلس والعطب وخمول العقل والوجدان.

إن القوة الضاربةَ لكل مختبر، تكمنُ في قدرته على العمل الجماعي، والدفاع عن القيم وصونها من خلال كل أشكال التعبير وصيغه. وقد اختبَرَ، مختبر السرديات، خلال هذه الفترة، العمل بشراكة مع مؤسسات ومعاهد وجمعيات، داخل المغرب وخارجه، في المدن والمراكز والقرى، من خلال محاور متصلة بالأهداف العلمية والثقافية، وبمشاركة متنوعة لباحثين ونقاد وكتاب ومبدعين من جل الجامعات المغربية وأيضا من جامعات عربية وأوروبية، وهو ما نجمَت عنه قاعدة واسعة من الباحثين، في مجموع المغرب، كما نتجت عنه مختبرات أخرى للسرد في العالم العربي، في مصر والأردن وعمان والسعودية وتونس والجزائر..

    وانطلاقا من وجود مختبر السرديات، تم استكمال بنية التكوين من خلال فتح تكوين ماستر “الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب” سنة 2006، والذي سيتم اعتماده، مرة أخرى سنة 2014، تحت اسم جديد: “ماستر السرد الأدبي الحديث والأشكال الثقافية”، بالإضافة إلى الإشراف على تكوين الدكتوراه في “تحليل الخطاب السردي” منذ 2010 ، وهي مرحلة نوعية وجوهرية، أشرك فيها المختبر، ضمن بنياته وطرق اشتغاله، الطلبة الباحثين، عبر التكوين الرصين والندوات العلمية والورشات والحلقات الحوارية، مما أثمرَ باحثين أنجزوا بحوثا قيمة، وتمكنوا من اكتساب خبرات البحث وأدواته، وذلك الإيمان بالانخراط فيه باعتباره قاطرة أساسية في البناء والتقدم.

    ومن أجل دعم رؤية البحث، انخرط مختبر السرديات، مبكرا، في نشر بعض الأعمال البحثية والمؤلفات، دون أن يتمكن من نشر كافة الأعمال التي التأمت. وبهذا الكتاب، الذي سبقه، السنة الماضية، كتاب السرديات التوثيقي لأعمال المختبر خلال سنوات (1993- 2016)، تمَّ إيجاد صيغة لكتاب سنوي ينشر منتخبات من بعض أوراق الندوات، بالإضافة إلى توثيق الأنشطة في البحث والتكوين.

    وبعد مرور خمسة وعشرين عاماً، يخطو مختبر السرديات، رفقة أصدقائه من الباحثين، خطوة جديدة، هيأ لها طويلا وبتدبير محسوب، فأصدر العدد الأول من مجلة سرود (شتاء 2018)، مجلة تضيء الحلم وتسند هذا المشروع، الذي هو مسيرة نأمل أن تكون لبنة حيّة في البناء العلميّ والثقافيّ، وصورة مشرقة في محراب الجامعة المغربية، وسط كل الحقول والمجالات والمعارف.

    مرت خمسةٌ وعشرون عاماً ، ولكنها تجربة قائمة لارتباطها بما سيأتي، سماد مُخصّب للفكرة والرؤية. حاضرة لأنها أسست لطريقة في العمل وأسلوب في الحياة. وفي كثير من الأحيان، يتحول الزمن الذي يشتغل فيه المختبر إلى حكاية تكون غيمة تمطر أو سفينة تُبحر وتسعُ الجميع.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here