خليل قانصوه: من بيروت إلى تونس وإلى ما بعد بعد تونس!

خليل قانصوه

يلاحظ المتتبع للأوضاع في بلدان العرب أن سيناريوالفاجعة نفسه يتكرر مرة بعد مرة دون أن تنجح الدول والحركات الجماهيرية في هذه البلدان في إبعاد الخطر وإفشال خطة المستعمرين الأميركيين الإسرائيليين ، فلا نجازف في القول أن رد الفعل على العدوان أتخذ دائما شكلا ثابتا تجسد في انقسام المجتمع العربي المستهدف إلى فريقين، أحدهما انخرط في جيش الغزاة الذي طور طبعا أساليبه ووسائله، والثاني حاول التصدي لمقاومة هذا الجيش بوسائل جديدة نسبيا ولكن بأساليب ثابتة لم تتغير موازاة لثبات الذهنية القبلية واستفحال العصبية وغواية السلطة !

أضع هذه التوطئة تمهيدا لمقاربة أولية، على عجالة، بين سيرورة ثورة مضادة انطلقت في سنوات 1970 من لبنان وسيرورة مماثلة بدأت سنة 2010 من تونس، استنادا إلى أن الأجواء الثقافية في كل من هذين البلدين جعلت منهما مركزين للدعوة والنشاط من أجل التقدم والتحرر والتضامن العروبي في مقابل اختراقهما الكثيف كما أظن، من جانب دوائر المخابرات الأميركية الإسرائيلية، من نافلة القول أن هذا البحث لا يتسع إلى تفاصيل ضرورية لإيفاء الموضوع الذي نحن بصدده، فهويعتمد أساسا على ما يتناهى إلى علم الإنسان العادي، ولا يرقى إلى مستوى الدراسة الموثقة .

الرأي عندي أن نار الربيع العربي بزغت في لبنان في سنة 1975، حيث دشن الهجوم في على “بوسطة (حافلة) عين الرمانة” في 13 نيسان 1975 الطريق إلى الحتف، فلو أردنا أن نختصر بكلمات قليلة أهم المحطات في الصيرورة اللبنانية لجاز لنا الإشارة إليها كما يلي:

ـ إطفاء جذوة المقاومة الفلسطينية التي انطلقت في سنة 1965، تحت اسم حركة فتح، ثم منظمة التحرير الفلسطينية ( م ت ف). علما أن فشل المحاولة لا يعني على الإطلاق استحالة معاودتها بأساليب ووسائل ملائمة، ونجاحها، استنادا إلى العبر التي تستخلصها النخبة من التجارب السابقة.

ـ إجهاض حركة وطنية تولت قيادتها في ظروف صعبة ومعقدة، إلى جانب فصائل المقاومة الفلسطينية، أحزاب ومنظمات لبنانية ضعيفة المراس، لم تمتلك في مواجهة القضايا المطروحة مواقف محقّقة وأنما انقادت في ظاهر الأمر وفي أغلب الأحيان وراء قيادة فلسطينية، كان همها في الحقيقة هو نيل الاعتراف بها كنظام حكم فلسطيني من قبل نظم الحكم العربية الأخرى، أملا بالحصول على مقعد حول طاولة المفاوضات بحثا عن تسوية مع المستعمر الأميركي الإسرائيلي.

ـ تفكيك الكيان اللبناني سكانيا وجغرافيا تحت أشراف زعماء يرتبط كل فريق منهم مع جهة من الجهات العربية والغربية المشاركة في النزاع على السيطرة الكاملة على البقعة السورية العراقية . ففي القضية السورية على سبيل المثال وقف بعض السلطة في لبنان مع “الثورة” المزيفة على عكس بعضها الآخر الذي انخرط في معركة الدفاع عن الدولة عن سورية.

لأعد بعد هذا كله إلى تونس التي مثلت في شمال إفريقيا مركزا للثقافة العربية بالإضافة إلى أنها كانت أيضا محركا رئيسا من اجل التحرر من الاستعمار الفرنسي، لا ننسى في هذا السياق أن تونس استقبلت سنة 1982 م ت ف المنفية من لبنان، فكانت محطة على الطريق إلى أوسلو وتصفية القضية الفلسطينية . إن المؤشرات كثيرة الآن على أن الأوضاع السياسية والاجتماعية في تونس غير مستقرة ناهيك من أن تونس في موقع وسط بين الفوضى الليبية والأزمة الجزائرية . يحسن التذكير بأن الإخوان المسلمين (حركة النهضة ) يواصلون مساعيهم لعلهم يبلغون أهداف “الربيع العربي”، أي التطبيع مع الإمبريالية الأميركية الإسرائيلية مقابل إقامة دولة إسلامية، أعتقد أنه يحسب “للثورة” في تونس، قطع عنق “الجبهة الشعبية” باغتيال قياديين كبيرين هما شكري بالعيد ومحمد البراهيمي ، بالإضافة إلى ارسال عدة آلاف من المقاتلين إلى سورية دعما لحركة التمرد الإسلامي ضد دولتها.

مجمل القول أن أخشى ما يخشى هو أن يُستبدل دور تونس التاريخي في شمال إفريقيا فتشرع أبوابها للفوضى الليبية لكي تتموضع فيها قبل العبور منها إلى الجزائر.

كاتب لبناني مقيم في باريس

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here