خليل قانصوه: من أجل منع الترحيل و إسقاط دولة التمييز العنصري؟

خليل قانصوه

انقضى أزيد من سبعين سنة على  وقوع  النكبة  التي تمثلت  أساسا  بإجبار  غالبية سكان  فلسطين على النزوح  ليحل مكانهم مستوطنون  توكلت الحركة الصهيونية  تحت إشراف  سلطة المستعمرين  البريطانيين بجلبهم من  أوروبا  و من البلدان العربية  أيضا و من تنظيمهم و تجنيدهم .  بكلام  أكثر وضوحا  لقد  أبعد الفلسطينيون عن بلادهم في سنة 1948  بواسطة جهاز عسكري  تم أعداده  في ظل الاستعمار البريطاني ليتسلم السلطة  من بعده  . ففلسطين التي خرج منها المستعمرون البريطانيون في سنة 1948  كانت غير فلسطين التي دخلوها فاتحين في سنة 1917 ،  لقد جعلوا الاستعمار الاحتلالي استعمارا استيطانيا  على غرار استعمار  اميركا الشمالية  و استراليا  على  سبيل المثال  ، أنجز ذلك  من خلال  سيرورة  ” مختلطة ” إذا  جاز التعبير ، تضمنت  الترهيب  بواسطة  المجازر و التفخيخ والاغتيال  إلى جانب الطرد و الترحيل  ، بدل إبادة السكان الأصليين  شبه الكاملة ، كما  فعلوا في أماكن أخرى .

مجمل القول إن نفي الفلسطينيين من بلادهم  كان انعكاسا  لميزان القوى  بين قوات المستعمرين المتفوقة عددا و عدة ، و بين  حركات المقاومة  و الجيوش العربية الهزيلة  التي حاولت التصدي  للمشروع البريطاني ـ الصهيوني في فلسطين .  و من نافلة القول أن  مرد تأخر عودة اللاجئين إلى بلادهم بالرغم من مرور سبعين عاما  و نيف ، إلى أن  ميزان القوى لا يزال مائلا لصالح المستعمرين .

أترك جانبا أسباب هذا الخلل   . توصل  مداورة مسألة الاستعمار الاستيطاني في الذهن إلى معطيات تصلح  بحسب  اعتقادي كنقطة  انطلاق لمراجعة   مسألة  الفشل في معالجة النزوح  الفلسطيني  الذي  حدث في سنة 1948 ثم تجدد في  على قياس أدنى في سنة 1967 . لا سيما أن مجريات الأمور منذ سنوات 1970 ، و تحديدا  بعد  حرب تشرين / أوكتوبر 1973  ، تنذر بأنه من المحتمل  ألا تتوقف عما قريب ، أمواج   النازحين  الذي خرجوا من معظم  بلدان العرب  . و أخشى ما يخشى في هذه  الإشكالية هو أن يستغل المستعمرون الإسرائيليون ظروف  الفوضى   السائدة  فيدفعون بأفواج جديدة من سكان الضفة الغربية و قطاع غزة إلى الانضمام  لجموع النازحين  العرب ، لعلهم يختلطون  فيما بينهم  فيصعب تمييز الفلسطيني من السوري و العراقي  و الليبي و اللبناني  و الحبل على الجرار .

أثبتت الهزيمة الماحقة في حزيران 1967  أن  الدولة العربية  غير قادرة على شق طريق العودة  إلى فلسطين أمام اللاجئين ، و  من المعروف  أن  تجربة النضال الشعبي المسلح ، انطلاقا من الأردن ثم من لبنان ، لم تتكلل بالنجاح .  ولا مجازفة في الكلام  أن الخلل العسكري  تفاقم  في سنوات 1980 إلى درجة كبيرة ، عندما غزا المستعمرون الإسرائيليون لبنان و أحتلوا العاصمة بيروت و توصلوا إلى إبرام   اتفاقية تطبيع  مع حكومته  ، اضطرت هذه  الأخيرة لاحقا إلى التملص منها .

ولكن التسليم بدور المقاومة التي نهضت في لبنان  ضد المحتلين لا يجب أن يحجب عن الرؤية الحرب الشرسة التي تشنها الإمبريالية الأميركية ـ الإسرائيلية  منذ  1990  و لا تزال متواصلة   من أجل السيطرة  على بلاد سورية و ما بين النهرين ، في إطار تدعيم و توسيع  ما يسمى  ” الدولة القومية للشعب اليهودي” الأمر الذي يضع الوجود الفلسطيني ، في فلسطين ،  في الضفة و القطاع بالإضافة إلى ” العرب الإسرائيليين”  ، أمام خطر الترحيل  و الإبعاد .

من البديهي أن أحفاد اللاجئين  الفلسطينيين ، ليسوا فلسطينيين  أكثر من  أهل لبنان و الأردن  وسورية  . و من المعلوم  أن أحفاد اللاجئين و المهاجرين من الجيل الثاني و الثالث لا يعودون إلى بلاد أجدادهم الأصلية ، لانهم لا يعرفونها . مهما يكن فإن مصلحتهم ككل شعوب المنطقة  هي في  النضال ضد الأميركية الإسرائيلية حتى هزيمتها كشرط لازم و ضروري لكي يستقر الناس في اوطانهم و يبقى فلسطينيو فلسطين في فلسطين ، متساوين مع غيرهم  دون تمييز على أساس العرق و الدين . إن الهدف من النضال الآن  ليس عودة اللاجئين  ولكن منع الترحيل عن طريق أسقاط دولة التمييز العنصري في  إسرائيل.

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here