خليل قانصوه: ملحوظات عن الإستعمار الحديث واساليبه في التفكيك العربي

خليل قانصوه

من البديهي  أن مصطلح الإستعمارليس له  في هذا الزمان نفس الدلالة  التي كانت  الماضي . فنحن في الواقع حيال رأسمالية ـ ليبرالية  تسعى إلى حوكمة العالم ، فهي على سبيل المثال تمسك بزمام السلطة  في جميع  البلدان التابعة  إلى المعسكر الغربي ، الذي تتزعمه  الولايات المتحدة الأميركية . يحسن التشديد هنا على أن هذه الرأسمالية ( المعولمة )  ليست  قومية  أودينية  بالمطلق ، أضف   إلى أنها لا تعترف  بسيادة الدول  على بلدانها  و لا تلتزم  بأي قانون ، دولي أو محلي ، إلا بما تشترعه مؤسساتها من قوانين تعتبرها  مفيدة  لبلوغ أهدافها  .

الجدير بالذكر في هذا السياق  أن الدول الغربية المنغمسة  في الحروب ضد الدول و شعوب ، في مثلث زواياه  في الرباط و صتعاء  و بغداد ،  هي دون إستثناء  ، في خدمة  هذه الرسمالية ، بواسطة مؤسساتها السياسية و الدستورية  و أجهزتها  العسكرية  ، هنا لا بد من إبداء  عدد من الملاحظات  :

1ـ من نافلة القول  أن دولة أسرائيل  هي  ، تاريخيا إي  في فترة الإستعمار القديم و حاليا في فترة الرأسمالية الليبرالية  ، جزء لا يتجزأ من الدول الغربية ، و تحديدا من دول الثلاثي الغربي  المكون من  الولايات المتحدة  الأميركية ، بريطانيا  ، و فرنسا .

2ـ من السذاجة  أن يتوهم البعض  أن ” تطبيع ” العلاقات بين دولة إسرائيل من جهة و بين  الدول العربية  من جهة ثانية ،يجعل هذه  الدول في مأمن  من خطر الحروب عليها. لأن التصالح مع إسرائيل  ليس هو الهدف  المتوخى  ، إنما  المطلوب في الواقع  هو إلغاء بعض  الدول العربية و تقطيع بلدانها أو هيكلتها  بحيث تلائم  تدعيم نفوذ الرأسمالية ـ الليبرالية .

و ليس مسغربا أن يفترض المرء ، أن حروب الثلاثي الغربي في بلدان العرب ، هي  في الواقع حروب  إستباقية  كالتي  تبادر إليها الولايات المتحدة الأميركية  في  أميركا اللاتينية  عندما تدعو الحاجة ، القصد هنا الإنقلابات العسكرية والديكتاتوريات   التي اغتالت الأحزاب  الوطنية التقدمية  و استولت على السلطة بالوكالة عن الولايات المتحدة الأميركية

و لو كان الأمر عكس ذلك  لم تتطلب  حروبا  على دول عربية ، هي  في الحقيقة غير مستقلة  و غير قادرة على الدفاع  عن نفسها ، أي أنها شبه دول  ، ناهيك من أنها   تقيم  في غالبيتها ،علاقات مع  إسرائيل ، في العلن  أو في الخفاء ، إلى جانب الروابط  التي تشدها إلى الدول الغربية بوجه عام ، إمعة أوتبعية أو إرتهانا في ما يخص  بعض هذه الدول على الأقل .

ينبني عليه  أنه يحق للمراقب أن يتساءل عن  الدوافع  إلى إعلان حرب على دولة من  أجل  إفقار فقرائها و تهديم مدارسها  و تعطيل  نظامها الصحي ، و محو كل ما  حققته على صعيد الخدمات للناس  . أود الإشارة هنا إلى  المعاهد و مراكز الأبحاث والجامعات والمستشفيات  التي اُستهدفت في الحروب ، إلى جانب الإغتيالات التي  راح ضحيتها  الكثيرون من  أساتذة  العلوم أما  الذين نجوا من القتل فلا يزال  مصير بعضهم   مجهولا  . ماذا يعني هذا كله ؟  حلّ أجهزة الدولة ، تفكيك  المجتمع ، حل الأحزاب والنقابات  ، خصخصة المرافق  التي تهم الرأسمالية ـ الليبرالية ؟  بكلام آخر و بحسب مفاهيم إقتصادية  ، في حدود إلمامي المتواضع  في هذا المجال  ، تتلازم الحرب على الدولة العربية   بعملية يطلق عليها  الإقتصاديون  اسم ” إعادة رسملة  “، و هذه  تقضي بأن يقتطع المساهمون  جزءا  من  أرصدتها المالية ، مقابل مراكمة  ديون  عليها  تعويضا  عن ذلك ، كما لو أن الدولة العربية شركة مثل  أية شركة ودول  الثلاثي الغربي مساهمة  فيها .

أعود  لتوضيح  فكرة  الحرب الإستباقية   التي تـُلازم  إختلاس الأموال كما لمحنا  أعلاه  ، فأقول إن ما تخشاه  الرأسمالية ـ الليبرالية هو المعرفة و العلم  . فبواسطتهما يتزايد  الإنتاج  وقد يصل إلى درجة الإستقلال الغذائي  و الإكتفاء  في بعض الصناعات  الدوائية مثلا و غيرها من الصناعات الصغيرة . ينجم عنه  أن من المحتمل  أن  يتمكن  المجتمع  من إغواء  أومن رشوة السلطة الوطنية و التأثير عليها بحيث تستجيب  لبعض المطالب  الإصلاحية . فليس مستبعدا  أن  تعتبر الرأسمالية ـ الليبرالية  هذا الأمر نذير سوء .

3ـ و من البديهي في هذا  السياق   أن اللبنانيين  معنيون بحروب ” التطبيع والتقطيع ”  إذا جاز القول  و ليسوا  بالقطع متفرجين .أما  الإدعاء بخلاف ذلك  فهو من وجهة نظري مهاترة .

4ـ  من الطبيعي  في  أطار مداورة  مسألة  الإستعمار  في الذهن ، أن يتوقف المرء عند  القضية  الفلسطينية  بما هي محورية  ، ما أود الإشارة إليه  هنا هو  أن متابعة  مسار الحركة الوطنية الفلسطينية يجعل  الباحث  لا يميزها  من  نظم الحكم العربية  لجهة  الصراع على السلطة في داخل الكيان  أو الدولة أو القبيلة  ، إلى حدود  الإنشقاق و التلاشي ، فلا غلو في القول أن هذا الصراع يهدد  الكيان  بخطر الإنقراض ، لا تراجع  فيه  حتى  لو ظهرت  في الأفق طلائع الغزاة  .

و في هذا الموضوع  ،  تستوقف الباحث  ثلاثة  أسئلة  جوهرية ، أكتفي هنا  بذكرها :

أ ـ كيف يمكن  للحركة الوطنية الفلسطينية ، أن تعلن الكفاح المسلح من أجل تحرير فلسطين  إنطلاقا من بلاد  عربية تقودها دولة أوشبه دولة مرتبطة  بالإستعمار بعلاقة تبعية  و بالتالي هي ليست جديرة  بخوض حرب تحرير ضد الإستعمار  ؟

ب ـ كيف  تعلن هذه الحركة  ،أن القرار الوطني الفلسطيني ” هو قرار مستقل ”  ؟

ج ـ  كيف تخلت  هذه الحركة  ، خطوة بعد خطوة ، عن  النشطاء المناضلين المتطوعين  في صفوفها ،  فاستبدلتهم  بجنود  و مسؤولين يتقاضون رواتب  ، أوصلوا  الحركة في نهاية المطاف إلى  السلطة في مدينة رام الله  ، و تحولوا إلى جهاز شُرَطي   يعمل بالتنسيق مع قوات المستعمرين  في  الضفة الغربية .

د ـ من البديهي  أن القضية الفلسطينية  عدا عن أنها قضية تحرير وطني  في مواجهة مستعمر إستيطاني عنصري ، تضعنا حيال سؤال عن معنى الوطن ، في سنة 2019 ،  أين يقع الوطن  و ما هو المواطن  ؟  بتعبير آخر هل يُعتبر  ابناء المهاجرين من الجيل الثاني أو الثالث  الذين أبصروا النور في البلاد التي هاجر إليها جدهم أو جد أبيهم أو أمهم ، مواطنين في  بلاد جدهم الأصلية  أم مواطنين  في البلاد التي ترعرعوا فيها   .  هل يعقل أن يكون المرء مواطنا في وطنين ؟  إستنادا إليه  لا مفر من إعتبار فلسطين   و طنا لأبناء   المهاجرين  الإسرائيليين من  الجيل الثاني و الثالث ، مثلما  أن فلسطين يجب أن تكون  وطنا لجميع  الذين يعيشون على أرضها  دون تمييز بينهم على اساس  العرق و الدين  و الرأي .

هـ ـ في السياق نفسه ، أعتقد أن  الصراع  التحريري ضد   الإستعمار  له وجهان  و جهه عنفي  ، يحق للمستعمَر ان يتصدى للعنف الذي يتعرض له  من جانب المستعمِر ، الإستعمار هو في جوهره عنف ، بكل الوسائل المتاحة له   ،  ووجه سياسي فكري .  أعتقد  أن الغاية الرئيسية من النضال   من أجل  التحرير هي التحرير !

        1ـ5ـ لا بد من الإشارة  في مسألة الأستعمار إلى  نظرية” صدام  حضارات ”  الذي يستلهمها   في الواقع الثلاثي الغربي في حروب  يخوضها  بحجة   محو ” حضارة أسلامية ” متخيّلة  أو مفترضة .  ليس سهلا في الحقيقة   العثور في الراهن ، على  علامات  تؤكد حيوية وازدهار  هذه  الحضارة  و ما هي مسوغات إعلان ”  الحضارة  اليهودية المسيحية  الحرب  على” الحضارة الإسلامية ” ، عدا إعتبار  التنظيمات الإسلامية من فصيلة   داعش و القاعدة ،( جبهة النصرة ) إعتباطا و كيدا ،  ممثلة لهذه الحضارة  .  مع العلم أن هذه التنظيمات تظهر عادة   مع عسكر دول الثلاثي الغربي  وتنسحب معه  مثل ظله .  والغريب في هذا الأمر أن هذه الدول  تحاول ضمنيا ، أن تقايض  الإرهاب الإسلامي   بالمقاومة ضد الإستعمار،إذ من المعروف أن المستعمر يعتبر  المقاومة  ضده  إرهابا .

فرنسا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here