خليل قانصوه: مقاومة الإستعمار الإستيطاني غير الإنتصار عليه        

 

خليل قانصوه

لا جدال حول ضرورة المقاومة الوطنية في البلدان العربية التي تهددها تاريخيا الدول الأوروبية الإستعمارية بحجة أحقيتها بميراث كان على التوالي ميراث الرومان و المسيحية و اليهودية بالإضافة إلى أنها تعتبر مصادر النفط و الغاز من السلع الاستراتيجية التي يتوقف على توفرها واستخدامها ، الأمن الدولي و ازدهار الحضارة اليهودية ـ المسيحية. أقصد هنا المقاومة بمفهوم الدفاع على المجتمع الوطني أي التصدي للسياسة الهجومية التوسعية و الإقصائية ، الأوروبية على و جه الخصوص و الغربية عموما .

 من المعروف أن الهزيمة الماحقة التي منيت بها نظم الحكم العربية في حزيران 1967 أمالت كليا ميزان القوى بين الدول العربية الرئيسية من جهة و بين الثلاثي الغربي من جهة ثانية لصالح هذا الأخير ، نتيجة لعوامل ليس من حاجة إلى إطالة في موضوعها فأكتفي بالتذكير بها :

1ـ بدأ تراجع حركة التحرر العربية أمام نظم الحكم اعتبارا من تاريخ خسارة المقاومة الفلسطينية في معارك أيلول الأسود 1970في الأردن . بكلام أكثر صراحة ووضوحا أصرت نظم الحكم المنكسرة على التمسك بالسلطة وإلقاء مسؤولية هزيمتها على ” الغرب ” ، حتى لو أدى ذلك إلى حروب داخلية ، ضد الحركات و الأحزاب و النخب الوطنية ، التي شككت بشرعيتها و مصداقيتها وجدارتها استنادا إلى أدائها المخيّب في صد عدوان حزيران 1967 .

2ـ أكدت حرب تشرين 1973 ،مرة أخرى ، عجز هذه النظم و تخلفها وانفراد قائدها بالأمور الوطنية المصيرية ! الذي ظن أن الصلح ممكن مع المستعمر فأزال جميع العقبات التي تعترض طريقه بالضد من المنطق ،و منها الأحزاب و الحركات و النخب الوطنية . و لا شك في أن هذه الحرب كانت برهانا على أنه يستحيل حسم الصراع ، في مسألة الإستعمار الإستيطاني في فلسطين ، بالوسائل العسكرية أ و ” بالكفاح المسلح ” . سقط الحل العسكري ، في الجزائر ة في إفريقيا الحنوبية !

3 ـ وكما كان متوقعا ، ظهر أن الصلح مع المستعمر مشروط بالاستسلام له وبالخضوع لإرادته و الدخول في خدمته . إن الإشكال الذي يمكننا معاينته الآن هو ناتج في الحقيقة عن أن المستعمر بدا واثقا من أن الظروف صارت مؤاتية لكي يفرض فرضا على نظم الحكم و على الشعوب العربية الشروط التي تمكنه من أن يستزلها ، من خلال حروب ملتبسة تتداخل فيها العوامل الداخلية و الخارجية ،بحيث يصعب اكتشاف طبيعتها و التمييز بين الصديق و الخصم ، لا سيما أن الأحزاب الوطنية و النخب الفكرية والسياسية أخرست أو شردت أو عقمت أ و حنطت .

ما أود قوله هو أن المجتمعات الوطنية في البلدان العربية التي عصفت بها الحروب الأميركية ـ الإسرائيلية تحت ضبابية ” الربيع العربي ” ، تحتاج إلى المقاومة دفاعا عن و جودها بأقصى الطاقات المتوفرة ، و أزعم أن هذا ليس ما نراه و نلاحظه في أكثر جبهات المواجهة مع المستعمرين . إذ يجب ألا يغيب عن البال ، مسألتان مركزيتان :

ـ لا مفر أولا من الاعتراف بان المستعمرين استطاعوا اجتذاب و إغراء أعداد كبيرة من المواطنين ، في غالبيتهم من ذوي المستوى الثقافي المتدني ، فأنشأوا منهم جيوشا و ضباطا وأعطوهم سلاحا حديثا ، بكميات كبيرة ، ثم دفعوا بهم إلى إعلان التمرد ضد نظام الحكم ، و هذا خداع ألفاظ ، لأن المراد من هذه الحروب هو أسقاط الدولة . علما أن هؤلاء المواطنين ، لا يستطيعون ماديا وعلميا و فكريا ، إعادة الإعمار و تأسيس دولة جديدة على أنقاض تلك التي قاموا بتفكيكها و تدميرها .

ـ المسألة الثانية هي ، إن المقاومة ضد هذا الهجوم الاستعماري ، إذا أستثنينا ما يجري في لبنان و سورية ، تبدو في ظاهر الأمر ، مجردة من وسائل القوة و الفعل ، هذا إذا و جدت . تجدر الإشارة هنا إلى أن الظروف المعيشية الصعبة و توقف المشروع الوطني وانسداد الآفاق المستقبلية و ضياع الأمل ، جعلت الرجوع إلى الماضي أسهل الحلول ، الأمر الذي أتاح للحركات الدينية فرصة لاستعادة مكانة اجتماعية و سياسية كانت تصبو إليها دائما ، في السلطة أو إلى جانب السلطة .

هكذا تجمعت بحسب رأيي عناصر متناقضة تسببت بظهور أزمات عصية على الحل . فعندما يلجأ الناس ، كل مجموع إلى قبيلته ، فأنهم يحيون نظام القبيلة و يتمسكون بالعصبية في نصرة ” الأخ ظالما أو مظلوما ” ، و عندما يصطفون تحت راية الطوائف و المذاهب ، فإنهم يخلقون أجواء الفتن القديمة و أساليب استخدام الدين في الارتزاق على حساب الآخرين ، أو سلما إلى السلطة .

مجمل القول و قصاراه إن الاعتراض على سياسة الحكم أو على الحاكم ، لا تبرر على الإطلاق إلغاء الدولة وطلب العون من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل هذا من ناحية أما ناحية ثانية فإن غاية المقاومة هي ردع المستعمر عن العدوان و لكن الردع لا يكفي لأن المستعمر يمتلك مقومات سياسته العدوانية ، فإذا انحصر النضال ضده في الجانب العسكري تمكن عاجلا أم آجلا من اختراق خطوط الدفاع . إن الخلاص من المستعمر يتطلب إضعافه ثم هزيمته الكاملة و النهائية ، و هذا لا يتحقق إلا بتحييد قوته العسكرية و جره إلى ميادين فكرية و حقوقية و سياسية ، يجد فيها السكان الأصليون حلفاء لهم . قبل أن يسقط الفلسطينيون في مصيدة أوسلو اعتبرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سنة 1975 الحركة الصهيونية مماثلة للحركة العنصرية وللتمييز العنصري ،أما بعد اتفاقية أوسلو فصارت مناهضة الصهيونية جريمة عنصرية ، و صارت مقاومة الاحتلال إرهابا . فخسروا عسكريا ما كسبوه سياسيا !

كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. على القوى الحيه في الامه السعي لبناء مجتمع حربي كما كان مطروحا في السبعينيات من القرن الماضي،لمواجهة التحديات بكل مستوياتها،الوطنيه،التربوبه، الاقتصاديه،االعلميه،والعسكريه،لان الاستعمار ايا كان سيستمر في حروبه،لانها طبيعته.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here