خليل قانصوه: لبنان في عين الإعصار

خليل قانصوه

لم يكن  إعلان رئيس الحكومة اللبنانية في  تشرين الثاني / نوفمبر  2017 ، من المملكة السعودية  عن استقالة حكومته  حدثا عاديا ،  لا سيما أن  تطويقه  تطلب  تدخل  أطراف عديدة ووقتاً طويلاً . فلا نجازف  بالقول  أنه  مثل انتهاكا صارخا معنويا للكيان الوطني  اللبناني  أو  بالأحرى انعكاسا  لدرجة متقدمة  من  تداعي بنيانه  نتيجة الهزّات التي  تعرض لها منذ  سنوات 1970 . فأغلب الظن  أن  مجريات  الأمور في السنتين الأخيرتين  تبطن  دلالات  على أن التعايش  في لبنان   يزداد صعوبة  نتيجة  استعجال الولايات المتحدة الأميركية  و إسرائيل  ” الفوضى الخلاقة ” في  لبنان و سوريا و العراق ، كيفما اتفق ، الأمر الذي  جعل لبنان  ساحة صراع  بعد أن  كان   استراحة  للمحاربين  يساومون و يفاوضون فيها على  أثمان  المصالحات نيابة  عن الموكلين المحليين و الدوليين .

فلو أردنا الإيجاز في الكلام  لقلنا أن  الكيان الوطني اللبناني  أُخذ في سيرورتين  متتاليتين  إلى مفارق أوصلت إلى طرق مقطوعة  فخاب أمل  المرشدين  إليها :

ـ  السيرورة الأولى  قادت في سنة 1982 ،  إلى الغزو الإسرائيلي   وانتخاب رئيس للجمهورية  في عاصمة البلاد  المحتلة ، ثم  إلى اتفاقية 17 أيار 1983 مع   حكومة المستعمرين الإسرائيليين . من المعلوم أن هذا المسار توقف باغتيال  الرئيس المنتخب و بتراجع الحكومة اللبنانية عن الاتفاقية المشار إليها

ـ السيرورة الثانية  تمثلت  بمؤتمر الطائف  في تشرين أول 1989 : آنذاك  ” نـُقلت الشرعية  ” الوطنية  ( نواب  الأمة ) بالطائرة إلى المدينة السعودية ، حيث بويع السيد رفيق الحريري  واليا على لبنان   بالإضافة إلى تبني  اتفاقية  دستورية  معروفة ” باتفاقية  الطائف ” . و هنا  وصلت الأمور مرة ثانية إلى  حائط مسدود ، عندما اغتيل  السيد رفيق الحريري في شباط / فبراير 2005 .

يمكننا القول  دون حرج أن الكيان اللبناني  صار منذ ذلك التاريخ  في قلب  الصراع المحتدم في  سورية و العراق  بين طرفين ، أحدهما تقوده و تدعمه  الجمهورية الإسلامية في ايران  بمساعدة روسيا  و الصين  ، و الثاني  يقوده و يدعمه  الثنائي  الأميركي ـ الإسرائيلي   يعاونهما حلفاؤهما  الأوروبيون بالإضافة إلى الدول النفطية في الخليج  ، باعتراف حكام الخليج أنفسهم ( الجبير ـ حمد بن جاسم)

وعلى الأرجح في هذا السياق  أن هذا الطرف الأخير ،  أعد خطة  من أجل تفكيك  لبنان نهائيا تمهيدا  لوضع اليد عليه  ، معاودة   لمحاولة بلوغ الأهداف التي تعذر  الوصول إليها في سنة 1982 . أظن أن هذه  فرضية تستحق أن نتوقف عندها ، على ضوء المفاجئات  الاستفزازية  التي تتوالى   في السنتين الأخيرتين  بإيقاع  متسارع  و سط الكشف  المتلاحق عن فضائح  إدارية و مالية مدهشة إلى حد الذهول ، دون أن يُسأل   ” المفضوحون ” عما اقترفت أيديهم أو ينالوا العقوبات التي يستحقونها ، دليلا على موت الضمير و العدالة و الأمن في لبنان. المفسدون و السارقون و المعتدون هم الخصم و الحكم .

وما يفاقم  الأوضاع  هو أن الخلل  أصاب أيضا الأجهزة  الأمنية . ينبني عليه أن المجتمع اللبناني موجود في بيئة تشبه الغاب .  فلو توقف المراقب عند  حادثة  عودة   متعاون  مع الإسرائيليين  إلى لبنان  ، حاملا جواز سفر  أميركي  ،  المحاطة بكثير من الغموض  الذي يرشح من تفاصيل  لا يتسع هذا الموضع لذكرها ،مثل الصور التي انتشرت  حيث يظهر فيها  هذا المتعاون مع المحتلين  و هو السجان و الجلاد ،  إلى جانب شخصيات رسمية  كمثل   الرئيس الأميركي ترامب نفسه ، و عند  الحملات الدعائية  و الإعلامية  محليا و دوليا، لمنع أي رد فعل على  الاعتداء الإسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية ، لخلص إلى أن تفكيك مؤسسة الدولة أنجز وإلى أن الضباع  تتعاوى استعدادا لمهاجمة  المقاومة  اللبنانية  أملا بافتراسها  . و لكن التسليم بأن  هذه الهجمة ليست  الأولى  لا يعفي من الاعتراف  بأنها  تجري في ظروف مختلفة عن سابقاتها  لجهة  تفكك الدولة في لبنان و تكامل حصار التجويع توازيا مع الضغوط المتصاعدة من أجل انتزاع ” اتفاقيات”  بشأن الحدود البرية و البحرية ( المخزون النفطي في المياه  الإقليمية ) !  هذا من ناحية  و لكن من   ناحية ثانية  هناك ظروف إيجابية  فالأوضاع  في سورية أفضل.

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here