خليل قانصوه: عن مشاريع إستعمارية فاشلة

خليل قانصوه

من الملاحظ  أن إكتراث وسائل الإعلام في الغرب بما يجري  تحت الإحتلال الإسرائيلي ، يتراجع تدريجيا منذ ثلاثة عقود و نيف ، إلى حد أن تناول مسألة القمع الدموي الذي يتعرض له الفلسطينيون صار يتطلب جرأة كبيرة حتى لو إقتصر على اسطر قليلة وقصيرة ، لأن أنتقاد سياسة المستعمرين الإسرائيليين ليس بالأمر البسيط لأن أعين الرقابة تـُقلّب كلمات الخبر و طريقة تراصفها تحت المجهر ، فسيف الإتهام باللاسامية مسلط في بلدان الغرب على كل ناشط مناهض للإستعمار و للتمييز العنصري في أسرائيل حتى يثبت المتهم براءته بنفسه أمام القضاء.

وكلما جرّد المستعمرون الإسرائيليون حملة عسكرية بادرت غالبية و سائل الإعلام في الغرب إلى مرافقتها بتأمين غطاء أعلامي و سياسيو اسع  بقصد  التمويه ،  فلا يُرى من خلاله دم الضحايا و ركام بيوت الفقراء أو سلاح الجريمة ، أما الحكومات فإنها تتريث طويلا قبل أن تصدر بيانات مقتضبة مصوغة بمفردات عامة بحجة  الإلتزام بمواقف  “متوازنة” ، كأن هذه الحكومات على علم مسبق بالمهمة المتوخاة من وراء الحملة العسكرية الإسرائيلية و بالمدة التي من المفروض أن تستغرقها أو بالأحرى أن لا تتجاوزها.

مجمل الكلام أن هذا كله يترك أنطباعا لدى المتابع المتجرد ، فكيف إذا كان غير متجرد من أصل فلسطيني ، بأن بعض الحكومات الغربية مرتبطة في الحقيقة بعلاقات وثيقة مع دولة أسرائيل فهي تراقب سير حملاتها العسكرية كما لوكانت هذه الحملات مشتركة بين إسرائيل وبينها و بالتالي لا يمكننا أن نستبعد حتى أثبات العكس فرضية مسؤوليتها عن أداء الحملة العسكرية و تغطيتها سياسيا  مثل  أية حكومة  تشرف أو تشارك في عملية أمنية أوكلت إلى أجهزتها الأمنية أمر تنفيذها . . ينجم عنه أن الحكومات الغربية مواظبة على سلوك النهج الإستعماري نفسه في المشرق العربي منذ نهاية الحرب العالمية الأولي ، حيث توافقت على تقسيمه وإقتسامه بحسب إتفاقية سايكس بيكو 1916 و أقتطعت فلسطين بقصد ضمها إلى فلسطين و أعتقد أن الخطة كانت تتضمن أيضا ضم لبنان ، في إطار سيرورة مماثلة لما كان يجري آنذاك في الجزائر!

أكتفي بهذا الإستطراد لأقتضب فأقول أن الرأي عندي هو أنه لا يجوز منطقيا  مداورة المسألة الوطنية العربية  بالفكر و التحليل ،  إهمال فحص مدى صحة فرضية وجود تماثل بين أستعمار لبنان و الجزائر من جهة و بين إستعمار فلسطين من جهة ثانية ، من خلال “هندسة ” سكانية إذا جاز التعبير تجسدت في فلسطين في إحضار أقلية يهودية أوروبية لكي تستعمر أغلبية يهودية عربية أحلّها المستعمر مكان أغلبية عربية غير يهودية  في المقابل شجّع  المسيحيين السوريين على التجمع في لبنان و استعمار السكان غير المسيحيين فيه ، و أعتقد أن هذه الهندسة طبقت أيضا في الجزائرحيث لأستقدمت أقلية أوروبية  لكي تستعمر أكثرية  السكان الأصليين.

أشدد بالقول أن هذه فرضية تستحق من و جهة نظري البحث . من البديهي أن الفرق الجوهري بين هذه التجارب يكمن في أن الإستعمار في فلسطين تخفى برداء الديانة اليهودية ولكن التعمية فشلت لأن هذا الرداء لم يمح التناقض بين المستعمر و بين سكان فلسطين الأصليين الذين استطاعوا البقاء في بلادهم بالرغم من عمليات الترحيل المتكررة ، بالإضافة إلى  أن  هذه ” الهندسة ”  لم تكن  ذات جدوى في لبنان و في الجزائر ، حيث فرض الإستعمار فرضا في الجزائر بالحديد والنار، إما في لبنان فلا أعتقد أن الظروف كانت ملائمة  لمشاريع أستعمارية دائمة  و لكن لا مفر من الإعتراف بأنه نتج عن محاولات تنفيذ هذا المشاريع  خراب و دمار سادا في لبنان و سورية معا.

فرنسا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here