خليل قانصوه: صفقة القرن وشرعية الإمبريالية!

خليل قانصوه

تطالعك الأخبار في هذه الأيام  عن ” صفقة القرن ” التي  أعدتها الامبريالية الأميركية ـ الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية  و إغلاق ملفها نهائيا .هذا يرتجع أمام الذاكرة كل  ما يحتويه ذلك الملف من تقارير  لجان التحقيق الدولية  التي بدأت تتوافد على فلسطين منذ سنوات 1920 ، و من قرارات دولية حول الوطن القومي اليهودي ، و تقسيم  فلسطين ، و النزوح  و حق العودة ، ووكالة غوث و تشغيل اللاجئين  .القضية الفلسطينية  ، من وعد بلفور البريطاني إلى “صفقة القرن ” الأميركية !

إذن ترغب الولايات المتحدة الأميركية  و إسرائيل بمحو  هذا الملف  و فتح ملف جديد تحت عنوان “صفقة القرن ” ، التي  ليس مستبعدا  أنها اسم  لمشروع   تحويل مخيمات النازحين و المرحلين  و المنفيين في بلدان العرب ، إلى محميات دائمة يـُقام  بقربها  مناطق صناعية  للتشغيل   . و أغلب الظن  أننا حيال نموذج ” فلسطيني ” يمكن تكراره  أو تعميمه  في إطار خطة أميركية ـ إسرائيلية  تقضي “بفلسطنة ” بعض الأقطار العربية، أي إلغاء الدولة  و ترحيل جزء من  السكان الأصليين .

مهما يكن من  أمر هذه الفرضيات و التوقعات  فأن اللافت للنظر في هذا كله هو أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل هما اللاعبان الرئيسيان اللذان يمسكان في  الظاهر  بزمام المبادرة في حرب غير متكافئة ضد بلدان عربية، حيث  تكاد   أن تكون  جميع مناطق العمليات العسكرية ، تحت الحصار.

فمن الملاحظ أن المبادرين إلى هذه الحرب ، يهاجمون أطرافا   أقصى ما تستطيع القيام به هو الدفاع عن النفس  في الحد الأدنى  دون تجاوزه  إلى مستوى رد الفعل  والعقاب . عدو يؤاذي  و ليس بالإمكان معاقبته  . لا شك في أن هذا مرده أساسا إلى عدم  التكافؤ في القدرات ، و ربما إلى فقدان العبقرية الوطنية و إلى التصحر  الفكري . ولكن هذه مسألة لسنا الآن بصدد البحث  فيها ، فما يستوقفنا هو مسألة   المعتدي ، الذي  يعرف مسبقا أن عدوانه   ليس مكلِّفا  ، فضلا عن أنه يصِم  التصدي لمقاومته  بالإرهاب ، كوسيلة لتحشيد دولي ضد  المقاومين دفاعا  عن النفس .

الرأي عندي   إن ما يميز  الوضع  الخطير في المنطقة العربية  ، هو أن الإمبريالية الأميركية ـ الإسرائيلية تسعى إلى امتلاك  وجود واسع  و طاغ في أرجائها .ينبني ذلك على معطيات باتت معروفة ويمكن تلخيصها بادعاء  هذه الإمبريالية أحقية  ممارسة  السلطة الشرعية  ، بما هي الدولة  الفعلية ، على صعيد المنطقة .

بكلام أكثر وضوحا وصراحة  ، تحاول هذه الإمبريالية ، تأسيس شرعية دولة لها ، باسم إسرائيل تتعدى منطقة نفوذها  الحدود الحالية لدولة إسرائيل ، بدءا  بفرض   قانون  يمنع الكيانات  الأخرى من الحصول أو تصنيع سلاح دفاعي يحصن استقلالها أو سيادتها على بلدانها  . بمعنى أخرى إن الإمبريالية تمارس  نوعا من المراقبة البوليسية في المجال العسكري ، فلا تجيز  لجيرانها حيازة  بعض أنواع السلاح.

و لكن مسألة ممارسة سلطة الدولة الفعلية  لا تقتصر على  الأمور العسكرية فقط ، و إنما تشمل أيضا الاقتصاد ، فعلى سبيل المثال  تفرض الإمبريالية  مقاطعة  أيران  ماليا و مصرفيا  و وقف شراء  نفطها. في  حين أن من المعروف أنه  إذا توقف إمداد الولايات المتحدة الأميركية و الدول الأوروبية بالنفط  أعلنت  الحرب و أحتلت  آباره  لتأمين  حاجتها منه بالقوة  إلى حد استخدام السلاح النووي أذا  اقتضى الأمر .

و يمكننا  القول أيضا  أن الدولة الفعلية  الإمبريالية  تتدخل في شؤون الدولة العربية الداخلية ، كما ظهر ذلك عيانا و بصورة فاضحة ، من خلال  ثورات الربيع العربي  الدموية ، حيث كانت لهجة خطابها تشتد عندما يكون القتلى في صفوف  أعوانها أما الذين يقتلون تحت قصف طائراتها فلا تحسب لهم حسابا. كأن بلدان العرب تحت حاكمية  الإمبريالية الأميركية الإسرائيلية .

كاتب لبناني مقيم في باريس

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here