خليل قانصوه: ثورات بلا ثوار

خليل قانصوه

لا أعتقد أنك تجد مراقبا مطلعا متجردا موضوعيا، ينكر أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية كانت سيئة و أن أداء الدولة أو شبه الدولة لم يكن بائسا و منحرفا، في كافة المجالات، و أن الكثيرين من المسؤولين و الموظفين في أجهزة الدولة لم يتصفوا بالنزاهة و الإستقامة !

الإشكال يكمن من و جهة نظري، في طبيعة الحركات الاحتجاجية ضد هذه الأوضاع التي ما لبثت أن تحولت خلال ما سمي بالربيع العربي، إلى فيضانات نتج عنها كوارث إنسانية كبيرة في بعض البلدان .

يحق للمراقب أن يتساءل عن حوافز الذين يشاركون في حركات التمرد . بتعبير آخر هل أن الأساليب و الوسائل التي يلجأ إليها المتمردون ملائمة لاجتياز المستنقع الموحل ؟

لا أجازف بالكلام أن ما كان يحتاج إليه السوريون ليس داعش و ليس جبهة النصرة، و ليس الجماعات الوهابية التي تعهدتها الدول الخليجية، و ليس دولة كردية ألعوبة تحركها دول الثلاثي الغربي استفزازا و ابتزازا ضد تركيا و سورية و العراق و أيران على السواء .

ولا أعتقد في السياق نفسه أنه كان لدى الحركات الإسلامية، القريبة من تنظيم القاعدة الذي ظهر في أفغانستان، التي لعبت دورا بارزا في التحضير لتدخل الحلف الأطلسي، خبرة سياسية تؤهلها لتلبية متطلبات المجتمع الليبي

مجمل القول أن ثورات الربيع العربي انطلقت بعد تجييش قامت به دول الثلاثي الغربي، وبتمويل خليجي، في حرب ضد الدولة حيث كان القاسم المشترك الوحيد هو اسقاطها، أما مقاصد هذه الثورات فكانت متعددة، يمكننا تصنيفها إلى ثلاثة أنواع :

1 ـ تقسيم البلاد، إلى كيانات عرقية، دينية، طائفية، قبلية . هذا يعني أن فيضانات الربيع العربي تسببت بحروب جانبية تطهيرية . على الأرجح أن الغاية من ذلك هي إيجاد مبررات ” للدولة اليهودية ” و لممارساتها التطهيرية، لا شك في أنها مقررة بحجة منع ” التمييز العنصري “

2 ـ إلغاء الدولة بكل بساطة، بهدف محو الكينونة العربية أو العروبية، بواسطة إلحاق أجزاء من البدان السورية و بلاد ما بين النهرين، بالدول الإقليمية المجاورة : شبه الجزيرة العربية، إيران، تركيا، وإسرائيل !

3 ـ هذا لا يعني على الإطلاق، أن جماهير شعبية لم تشارك في و قت من الأوقات، في التظاهرات و الاعتصامات ضد سياسات السلطة الحاكمة، أملا بالتغيير و التبديل نحو الأفضل . ولكن ” الثورات “يا للأسف لا تزهر و لا تثمر في الربيع العربي، بسبب الجفاف والرياح الصحراوية، ولفْح السموم من جهة الغرب . هذا ما جعل البعض يزعمون أنهم خدعوا و أن الثورة سرقت، و هم أحيانا يتحسرون على ” الزمان ” قبل الثورة .

و لكن المحزن في الأمر هو أن هؤلاء الناس الطيبين لا يمتلكون في الواقع تصورا لما كانوا ينتظرونه من الثورة ؟. و ما يثير الدهشة هو أن الكثيرين منهم لا يعرفون كيف بدأت هذه الثورة و من هي الأحزاب و الحركات التي بادرت إلى إطلاقها، و ما هي الحوافز التي جعلتهم ينضمون إلى التظاهرات و الاعتصامات، هل قرأوا شيئا عن برنامجها، و كيف يفسرون أنها توقفت دون أن تحقق مطلبا واحدا من مطالب الناس ؟؟؟؟ . فكأن الهدف كان استبدال لاعب بآخر من نفس الفريق . هل يعقل بحسب رأيهم أن تتفجر ثورة في بلادهم بتوجيه من الولايات المتحدة الأميركية و حلفائها الأوروبيين، واستطرادا من إسرائيل، و بدعم من الدول النفطية وتركيا ؟

 

كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here