خليل قانصوه: تحرير المواطن العربي أم تحرير الوطن العربي!

خليل قانصوه

من نافلة القول أننا حيال إشكالية كبيرة في مسألة الدولة الوطنية العربية، تتمثل أساسا في العلاقة التي تربط هذه الدولة بالمواطن الذي يخضع لسلطتها من جهة و في العلاقة التي تربط هذه الدولة بالإمبريالية الأميركية الإسرائيلية الراعية لها من جهة ثانية . لا بد من الاعتراف بأن الحركات السياسية و النضالات الوطنية لم تتوصل في بلدان العرب إلى وضع الأمور في نصابها الصحيح . نجم عنه أن الظروف الملائمة لم تتوافر لكي تتبلور قواعد العيش المشترك و المواطنة في دولة مستقلة تمتلك السيادة على البلاد، فضعف و تلاشى بمرور الوقت مفهوم الوطن و في المقابل ازداد ارتهان الدولة!

ـ لا أظن أننا نجازف بالكلام، لا سيما أن آثار ما سمي ” ثورات ” تغطي المشهد،إن استقلال الدولة العربية لم يكن مكتملا و إن الأحداث أثبتت أنها غير قادرة على الدفاع عن سيادتها وعن التراب الوطني و إن مفهومية الوطن ضعيفة لدى شرائح واسعة من سكانها على وجه العموم، خصوصا في أطراف البلاد . يمكننا استنادا إليه أن ننعت الدولة العربية بأنها تحت الرعاية.

من المعلوم أن هشاشة هذه الدولة اتضحت عندما تعرضت لحرب حزيران 1967 . و لكن الأجواء الوطنية، الفكرية و السياسية، كانت ملائمة آنذاك لمبادرات اتخذتها حركات و أحزاب وطنية تحت عنوان ” التصدي للعدوان الإسرائيلي ” تجسدت بشكل رئيس في الانضمام إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني، أو ما عرف بالكفاح المسلح الفلسطيني .

كان طبيعيا أن لا تقف الدولة الخائبة و المهزومة مكتوفة الأيدي امام ” تعدي ” الحركات الوطنية على صلاحياتها، فتوافقت مع أعدائها، على تحجيم ” حركة التحرير الفلسطينية ” مقابل وعود بتخليصها من المأزق الذي وقعت فيه نتيجة العدوان الإسرائيلي و احتلال الجولان السوري و الضفة الغربية، و قطاع غزة و سيناء .

طردت حركة التحرير الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، لتكون تحت رعاية ” الدولة العربية ” في مجتمع لبناني منقسم طائفيا، على حساب شبه دولة لبنانية، أي لتكون في الفِخ اللبناني .

مجمل القول أن التقارب بين الدولة العربية تحت الرعاية من جهة و بين إسرائيل دولة التمييز العنصري من جهة ثانية، بدأ تدريجيا في مطلع سنوات 1970 . من المعروف في هذا الصدد أن منظمة التحرير الفلسطينية التي هزمت في لبنان في سنة 1982 و نفيت إلى تونس استعادت شيئا من دورها من أجل الالتفاف على انتفاضة الحجارة التي انطلقت في سنة 1987، الأمر الذي مكنها من اللحاق بالدولة العربية في سيرورة التقارب مع دولة التمييز العنصري . الإسرائيلية

لا جدال في أن التطبيع بين الدولة العربية و منظمة التحرير الفلسطينية ضمنا، و بين إسرائيل، و الاتفاقيات التي ابرمت بقيت حبرا على ورق . أي بكلام آخر ليس من امل يرجى من الدولة العربية و من إسرائيل سواء احتربتا ( صارت الحرب مستحيلة بينهما بعد 1973 ) أو تصالحتا . يحسن التذكير في هذا السياق ن بان الجزائريين بذلوا تضحيات جسام في سبيل تحررهم حيث تضامن فرنسيون معهم،بالإضافة إلى شعوب و دول كثيرة في أنحاء العالم، و يمكننا استخلاص نفس الدروس من تجربة إفريقيا الجنوبية .

 إن حركة التحرر الوطني ذات مصداقية أكبر من الدولة في التعبير و الدفاع عن مصالح الناس .إن دولة التمييز العنصري تسعى إلى إبادة السكان الأصليين أو إلى إبعادهم، فالتصالح معها هو في لبه ارتهان لها، هذا لا يعني أن جميع الإسرائيليين عنصريون، و لكن ما لا شك فيه أن التغلب على هذه الدولة ( التي ارتهنت الدولة العربية )، و اسقاط نظام التمييز عنصري يستلزم تحرر المواطن العربي من نظام التفرقة الحزبية الإقطاعية، و الطائفية، و العشائرية ! إن الناس جميعا معنيون بالنضال ضد دولة التمييز العنصري، انتصارا للمساواة و العدالة . قضية فلسطين هي شبيهة بقضية أفريقيا الجنوبية.

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. العلاقه بين المواطن والدوله (الحكم ) هي اس ازماتنا ومشاكلنا في الوطن العربي قطرا قطرا . الحل النظري موجود بأختلاف مدارسه ولكن اسقاط وموائمة ما على الورق وفي الفكر على ارض الواقع هو الصعوبة والمستحيل ربما ..اننا نحتاج الى الحكمة العميقة والمرونه والرؤيا البعيده جدا ومران التجربه واخلاص الحكام وتفهم المحكوميين ….الخ ….الخ ….الخ .رحلة طويله شاقه . وبالله التوفيق .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here