خليل قانصوه: العولمة الوحشية و العولمة الإنسانية!

خليل قانصوه

 

عندما نسمع من مصدر  رسمي  أن سورية تتعرض لحرب عالمية ، أي  أن عشرات  الدول  شاركت  بشكل  أو بآخر في  الحرب المذكورة  ، فإن في هذا القول  إشارة بليغة على أننا حيال مظهر  من مظاهر العولمة ، و ما يزيدنا يقينا  و إقتناعا  هو أن الولايات المتحدة الأميركية ، كما تناهى إلى العلم أقامت قواعد عسكرية  لقواتها على الأراضي السورية ( إحتلال)  ، دون موافقة الدولة السورية  و دون تفويض من مجلس الأمن الدولي . مجمل القول  أن الولايات المتحدة الأميركية  تدّعي أنها معنية  بما يجري في سورية .

أكتفي بهذه   الملاحظة  لأنتقل إلى  القضية الفلسطينية ، فالرأي عندي  أنها هي أيضا  قضية معولمة بامتياز ، يتضح ذلك من   خلال سيرورة  إنشاء المستعمرين البريطانيين  لدولة أسرائيل  تحت غطاء  قرارات دولية  ، مثل  قرار التقسيم  في سنة  1947  ، و القرار 194  الذي يعترف بحق الفلسطينيين   بالعودة . تواصَل  ذلك كما هو معروف  بالتزام الدول الغربية   معاونة  الإسرائيليين في حروبهم التوسعية  المتتابعة  وفي دعمهم في المحافل الدولية ، الأمر الذي  مكنهم دائما من إنتهاك  القوانين  و الأعراف الدولية و جعلهم يضربون بها عرض الحائط ..

فلا غلو في القول أن إسرائيل فرضت فرضا  ، بالقوة  المعولمة ( بعد الحرب العالمية الثانية )، على سكان فلسطين  بوجه خاص ، و على  على الشعوب في البلدان المجاورة  عموما .  كل  الأراضي التي تقوم عليها هذه الدولة ” أخذت بالقوة ” بعد أن أجبر أهلها  على  ” النزوح عنها  ”  عبرة ً بالمجازر  ، و بالعمليات الإرهابية   .

و لكن يبدو أن فعالية التفوق العسكري الذي  وفرته  الولايات المتحدة الأميركية والدول  التي تدور في فلكها  للإسرائيلين، قد وصلت إلى عتبة ليس  إجتيازها في ظاهر الأمر  ، سهلا .  هذا يعكس  في أغلب الظن تغيرا في ميزان القوى . بمعنى أنه من المحتمل  أن قوى المقاومة  طورت قدراتها  إلى درجة تمنع  اسرائيل من شن حرب شاملة عليها  بقصد تصفيتها أو تعطيلها .  ينجم عنه أن الإسرائيليين  ينزلقون   نتيجة  لهذا التطور  إلى و ضع  لا يمكنهم إحتماله  على المدى المنظور . و هذا ما يضفي  من و جهة نظري على  المواجهة  بينهم من جهة و بين  المقاومة ، على طول  جبهة  تمتد من لبنان إلى طهران ، بعدا  مصيريا  لكلا الطرفين .

أما عن الوضع الذي ينزلق إليه الإسرائيليون فأقتضب لأقول :

ـ  أن  دولة إسرائيل تـُعرّف نفسها ، بأنها دولة قومية للشعب اليهودي . ما يعني ضمنيا  أن سكانها ليسوا متساويين  ، و أنهم  يتعرضون لسياسة تمييز عنصري على أساس الدين و الأصل الإثني

ـ أن أكثر من نصف الناس الذين يعيشون الآن  تحت سلطة دولة أسرائيل ، ليسوا مواطنين و أنهم  مستعمرين من قبل أقلية قومية ـ دينية !

تجدر الإشارة هنا إلى  أن هذا الوضع    مدعوم من  الدول الغربية ، المنضوية تحت القيادة الأميركية  ، بحجة  أنها في حالة حرب  :

ـ  ضد الإرهاب   . هذا يذكرنا بالفاجعة الأفغانية  ، و أعتراف مستشار الأمن القومي الأميركي  برزيزنسكي  بالمسؤولية عن عملية ” الإرهاب الإسلامي ” في محاربة  الإتحاد السوفياتي   .

ـ إرساء حوكمة الولايات المتحدة الأميركية المعولمة  ،من خلال  حق  التدخل  في شؤون الدول الداخلية  بحجة ” حماية المدنيين “

ـ محاربة الديكتاتورية  ، و دعم الحرية و نشر الديمقراطية .

مجمل القول، على الأرجح  أن الدول الغربية   لن تنجح في فرض  الحوكمة  المعولمة بحسب  النظام الذي  تتبناه ”  نظام الفوضى الخلاقة ” ، فلقد تحولت  بلدان الشرق الأوسط  ، و إفريقيا ، إلى مايشبة الغاب ، فبالإضافة إلى كونه نظاما و حشيا ، لا إنسانيا ، يمثل أيضا خطرا كبيرا على البيئة . و أغلب الظن أن الإسرائيليين  لن يتمكنوا من تحقيق  هذا ” النظام  المعولم اللا إنساني  ” ، دون دعم غربي  ، في الشرق الأوسط .  ينجم عنه ، لا سيما أن  الحرب في سورية أثبتت  أنها عديمة الجدوى ، بالرغم من أنها  و صلت إلى عتبة  أعتقد أن الإسرائيليين لن يجرؤوا على تخطيها . فلا شك في أن لديهم قدرة تدميرية هائلة  و لكن في المقابل  ، ليس مستبعدا أن يكون لدى المقاومة على طول الجبهة  التي أشرنا إليها  إمكانية  إلحاق أذى كبيرا  بالدولة الإسرائيلية .  أعتقد أنه لولا هذا المعطى  لأنتهت الحرب في سورية  منذ عدة سنوات  و لتعولم العالم .

إذن أنتهى زمان الحرب ، و فشل الإسرائيليون  في إيقاع المقاومة  في الإحباط  نتيجة التهويل  بتفوقهم العسكري ، جاء زمن الكلام ، و إرجاع ما أخذ بالقوة ، كشرط ضروري  و لازم  للتوافق على عولمة انسانية ، على أساس أن  الناس متساوون  ، دون تمييز على أساس ” قومي أو ديني  ” .

فرنسا

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. روعة وكلام غير مسبوق ورزين ومنطقي لتحليل وضع اسراءيل كدولة مغتصبة فوق القانون واقترح ترجمة المقالة للغة الانجليزية ونشره في وسائل الاعلام الغربية المتحيزة وتهنئتي للكاتب الموقر على هذا الطرح الجديد الفريد ودام تنوير واشعاع موقعكم…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here