خليل قانصوه: الدروس الإيرانية: انزعوا صواريخكم أننا تريد تدميركم !

خليل قانصوه

ليس سهلا أن يتنبأ المرء بتطورات الأزمة الراهنة التي افتعلتها الولايات المتحدة الأميركية انتهاكا للقوانين الدولية و الإنسانية، من أجل إخضاع الدولة الإيرانية لنفوذها، و لكن من الممكن الآن التوقف عند بعض الدروس:

أغلب الظن أن القيادة الإيرانية استخلصت العبر من تجربتها الطويلة في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية منذ أن انتصرت الثورة وقطعت علاقات التعاون و التبعية التي كانت تربط إيران بالإمبريالية الأميركية الإسرائيلية .

و لعل من أهم هذه الدروس كانت الفاجعة العراقية . يحسن التذكير هنا بأن الدولة العراقية مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية و الدول الأوروبية الحليفة لها و بتمويل من الدول الخليجية، خاضت حربا ضد أيران استمرت حوالي ثمان سنوات، و ما أن وضعت هذه الحرب أوزارها حتى تبين أن لدى الولايات المتحدة الأميركية نية بتدمير الدولة العراقية بكل بساطة، و ليس هذا فحسب، ولكن الخطة الأميركية تتضمن أيضا إلى جانب الدولة في العراق، تحطيم أو تفكيك الدولة أو شبه الدولة، في كل من لبنان، سوريا، ليبيا، الصومال، السودان و أخيرا إيران . أي إلغاء سبع دول في المشهد الشرق أوسطي . ربما يكون هذا ما أرادوه من ” مشروع الشرق الأوسط الجديد “

ينبني عليه أن من الطبيعي أن يكون الإيرانيون قذ أعدوا العدة لمقاومة العدوان الأميركي على ضوء ما يجري من حولهم، منذ أن غُزيَ العراق على أساس اتهامات باطلة و مزاعم كاذبة، ففككت دولته و مُزق نسيجه الاجتماعي الوطني، بحيث بات من الصعب إعادة اللحمة إلى أجزائه المتنابذة . ينجم عنه أن الغزاة الذين دخلوا العراق و أقاموا على أرضه قواعد لهم، ثم بادروا إلى شن حرب شعواء على ليبيا، قبل أن ينتقلوا إلى سورية و يتسببوا بسفك دماء أهلها و بتخريب بنيانها، إنما يستعدون للعدوان على أيران . أعتقد أن الإيرانيين تلقوا الرسالة الممهورة بخاتم الإمبريالية الأميركية الإسرائيلية، و قرأوها جيدا .

لا شك في أن الولايات المتحدة الأميركية و حلفائها من الدول الأوروبية يمتلكون عسكريا، القوة الأكبر . ينبني عليه أن المطلوب أمام الخطر الداهم ليس تطوير قوة عسكرية في أيران مماثلة أو معادلة أو متفوقة، فهذا هدف غير واقعي و مستحيل، و أنما إقناع المعتدي بأن ” انتصاره ” المتوقع بالمعيار العسكري المادي المجرد، سيكون له أثمان باهظة، قد لا يستطيع تحملها. و ذلك ليس بواسطة الخداع و إنما إثباتا، باساليب ووسائل ذكية، بان الأرض هي لمن هم عليها . كما حدث ذلك في لبنان في حرب تموز 2006 حيث فشل العدوان الذي توكل به المستعمرون الإسرائيليون ليس فقط في تصفية المقاومة و أنما في إلغاء الدولة اللبنانية أيضا، الكسيحة أصلا . و لاشك في السياق نفسه أن الولايات المتحدة الأميركية و أعوانها أخفقوا في سورية لأن الحرب عليها كانت عكس ما حدث في العراق .

الرأي عندي أن ترجمة هذا كله تتجسد اليوم في المأزق الذي وقعت فيه الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية . يخيّل إليّ أن الإيرانيين تبلـّغوا بالإنذار الأميركي ” انزعوا صواريخكم المزروعة في ” الهلال ” الممتد من قطاع غزة حتى أفغانستان لكي ندمر أيران “، ولكن الإيرانيين يتصرفون كما لو أن هذا الإنذار لا يعنيهم و حدهم و إنما هو يعني الناس جميعا، بالتالي ارتأوا في أغلب الظن ان الرسائل الأميركية لا تستحق الرد . فالأجدى نفعا لإيران و للعالم هو إفهام قادة الولايات المتحدة الأميركية بأن الحرب باتت مستحيلة و أن استخدام العسكر و المرتزقة كوسائل ضغط من أجل ابتزاز الشعوب هو عمل جنوني، و ذاك بتقديم البراهين على أن إيران و حلفائها لا يريدون الحرب، و لكنهم سيدافعون أن أنفسهم بشدة، ليثبتوا للعالم أن الحرب كانت مستحيلة و أنه كان بالإمكان تفاديها.

كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here