خليل قانصوه: أيتام الوطن في الإقتصاد الريعي: أسباب أخرى للاجئين السوريين في المانيا

خليل قانصوه

أظن أني لا أغالي في القول أنه لولا تدخل إيران و روسيا و المقاومة اللبنانية لكان مصير سورية، الدولة و الشعب، نتيجة للحرب التي تتعرض لها منذ سنة 2011، شبيها بما جرى في العراق بين 1991 و 2003 . بكلام آخر لم يجد العراقيون إلى جانبهم في محنتهم، شقيقا أو صديقا أو حليفا . هذا إستنتاج . فأنا لست هنا في معرض البحث في هذا الموضوع . لا شك في أن سورية، الدولة و الناس، يواجهون حربا شرسة تقف وراءها الولايات المتحدة الأميركية و حلفاؤها الأوروبيون ووكلاؤها الإقليميون . و لكن ما أنا بصدده هو معاينة الأسباب التي حفّزت بعض الدول الغربية إلى شن الحرب على سورية، من خلال بعض المعطيات التي يمكننا ملاحظتها .

وقع نظري على دراسة جاء فيها أن ألمانيا إستوعبت منذ أن تفجرت الأزمة في سورية، حوالي مليون مهاجر، و أن دافعها إلى ذلك كان حاجتها السكانية الماسة لضمان ديمومتها.

إستوقفتني هذه المسألة و جعلتني حائرا في أمر تعريف هذا الكمية الكبيرة من الناس الذين جاءوا من المشرق إلى ألمانيا،هل أنهم سيصيرون ألأمان بالتبني، بعد إنقضاء مدة على إقامتهم الشرعية، محددة بنص قانوني ؟ أم أن الأنسان الذي كان مستعمَرا في بلاده الأصلية، في صيرورة تجعله لاجئا في البلاد الأوروبية، أو الغربية، التي تحتاج إليه في معالجة تناقص أو توقف النمو السكاني فيها ؟

مجمل القول أن ألمانيا على سبيل المثال، التي تشارك في الحرب على سورية، بشكل أو بآخر، كانت بحاجة إلى لا جئين سوريين، أو بالأحرى إلى إنتقاء سوريين بواسطة مكاتب أفتتحتها لهذه الغاية في البلدان المجاورة التي قصدها النازحون السوريون . بكلام أكثر وضوحا وصراحة كانت الحرب على سورية، فرصة سنحت لألمانيا ( و دول غربية أخرى ) بأن تتموّن، إذا جاز التعبير، بما تحتاجه من ” مادة بشرية ” قابلة لأن تلد عمال و إداريين و إختصاصين في حضانة الدولة الألمانية .

يحق لنا أستنادا إليه، أن نتساءل عن ما إذا كان من بين أسباب الحرب على سورية ( و على غيرها ) حاجة الغزاة إلى ” مادة بشرية ” مصطفاة، قبل أن ُيترك السكان الأصليون الباقون لمصير مجهول . فليس مستبعدا أن يكون من أهداف الحرب أيضا جعل البلاد غير صالحة للعيش في إطار ما اصطلح على تسميته العولمة أو الكوكبة .

المفارقة هنا أن الإقتصاد الريعي عطل في غالبية بلدان العرب، ليس فقط العمل الإنتاجي و أنما الخدماتي أيضا، فاستقدمت عاملات المنازل من سيرالانكا و الفيليبين وإيثيوبية، وفي المقابل أسفرت الحروب ألتي إشتعلت في هذه البلدان عن نزوح أعداد كبيرة من سكانها، فاتاح ذلك لبعض الدول الغربية إختيار الذين يمثلون دما جديدا في المجتمعات الأوروبية ويمتلكون قدرة على العطاء، فكأننا في الغرب أيضا حيال سيرورة مماثلة لما شهدته بلدان العرب منذ سنوات 1970، حيث تظهر علامات تدل على تحول الإقتصاد الإنتاجي إلى إقتصاد ريعي .

و لكن هذا كله يعكس مأساة العرب الفادحة التي تتبلور أكثر مع الوقت، فلقد فقد الناس نخبهم العلمية و الفكرية، و اضطر الكثيرون اإلى النزوح، نزح مئات الألاف في كل بلاد تعرضت للحرب الأميركية، و صار التراب الوطني مسيّبا .

إن الشرط الضروري و اللازم، لإعادة إعمار ما هدمته الحرب و للم شمل الأمة،هو صد الغزاة و دحرهم و ليس إبرام صلح معهم . ما لم يتحقق هذا الشرط، يستحيل إستئناف العيش المشترك في ظل دول وطنية تضمن الأمان و الكرامة للناس و الأمل في مستقبل أفضل.
كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here