خليل قانصوة: مسألة أهل السنة في العراق     

 

 

خليل قانصوة

 

تطرح الحوادث الكبيرة التي تتوالى في العراق منذ نهاية الشهر الماضي ديسمبر 2019 ، على المراقب إشكالية العقل العربي و الذهنية المهيمنة في بلدان العرب بالإضافة إلى الكلام العربي

فما تناهي عن تفاصيل عملية الاغتيال التي نفذتها القوات الأميركية ضد قادة عسكريين ، إيرانيين و عراقيين ، بالرغم من كونهم في مهمة رسمية تحت غطاء الدولة العراقية ، يضعنا حيال مسألة مفهومية هذه الدولة و تحديدا أمام حقيقة الاحتلال الأميركي ، المسكوت عنه رسميا ، وربما شعبيا أيضا إلى درجة ما . فالدولة العراقية غير قادرة على الأرجح على استقبال مستشار عسكري إيراني و ضمان سلامته ، في مطار بغداد دون موافقة سلطات الاحتلال الأميركي .

هنا ينهض سؤال لا مفر من التفكر فيه ، يتعلق بالصلة التي تربط بين السلطة الوطنية العراقية من جهة و بين سلطة المحتلين الأميركيين من جهة ثانية ، هذا من ناحية أما ناحية أخرى فما هي حقيقة الرابطة الموجودة بين السلطة الوطنية العراقية وبين الناس العراقيين عندما يكون دور هذه السلطة دون الذي تمارسه عادة الدولة الوطنية في مجال توفير الأمن لمواطنيها . و أخيرا ما هو الفرق و الحال هكذا ، بين السلطة الفلسطينية في رام الله من جهة و السلطة العراقية في بغداد من جهة ثانية ، باستثناء استيلاء الأميركيين على حصة من النفط العراقي مقابل اقتطاع الإسرائيليين حصة من المساعدات و الرسوم المالية العائدة للسلطة الفلسطينية  أكتفي بهذا عن مسألة الدولة لأنتقل من بعد إلى مقاربة مختصرة ، لموضوع الذهنية المتجذرة في النفوس التي تتجسد بنوع من التحاسد بين الأفرقاء الوطنيين باسم التمايز فيما بينهم ، عرقيا أو عشائريا أو طائفيا ـ مذهبيا ، من خلال علاقتهم مع الغزاة فهم في أغلب الأحيان لا يتوافقون على التصدي للعدو معا و في وقت واحد ، إلى درجة أنهم إذا برز فريق منهم و بادر إلى مقاومة المحتلين تعاونوا مع الأخيرين ضده ليس حبا بهم و لكن كراهية بالخصم حتى لا ينال شرف “التضحية دفاعا عن الوطن” أو الانتصار أو و التحرير و ” ينفرد به ” . بتعبير آخر يتمنى كل طرف من الأطراف الوطنية هزيمة الطرف المقاوم إلى حد معاونة العدو أحيانا من أجل حصولها ، لكي يعلن بعد ذلك المتعاونون انطلاق المقاومة ضد العدو الذي سبق و تواطؤوا معه .

وأخير أود التوقف عند إشكالية الكلام “الخشبي” إذا جاز القول، فالخطاب السياسي أو التحليل، يراعي عادة المحرمات “الطائفية ـ المذهبية”، فيتجنب تبديد الغموض و الغيوم التي تحيط بمسألة مصادرة الهوية الطائفية ـ المذهبية و استخدامها كورقة تجيز حصريا، لزعامة طائفية مذهبية النطق والتجييش اعتباطيا على أساس طائفي ـ مذهبي على حساب الهوية الوطنية ، مجازفة بشروط العيش المشترك .

 وتوخيا للدقة و الوضوح ، أقتضب لأقول أن المسائل المذهبية و العرقية هي العوائق الرئيسة التي منعت التحرر من الاستعمار و نشوء الدولة الوطنية العربية ، و في هذا السياق أميل إلى الاعتقاد بأن المسألة المذهبية الأكبر و الأصعب و التي جعلت بلدان العرب في المؤخرة و مجتمعاتهم قيد التفكك ، كانت و لا تزال ” مسألة أهل السنة ” التي يرفع لواءها المتسيّدون المتشددون على الناس و على أرزاقهم و على حريتهم و آرائهم ، كونها بحسب زعمهم وسيلة لفرض شرعية الحكم مؤقتا و لتوفير الظروف الملائمة لانبعاث ” الدولة الإسلامية ” أو دولة ” الخلافة ” . و من المعروف أن تمسكهم بشرعية السلطة المستمدة من المذهبية الطائفية قادهم في السنوات الأخيرة إلى مصادرة الدين و أستخدامه ضد الدين من خلال سلوك دموي بشع و الى التحالف مع المستعمرين من أجل تدمير ما تحقق في مشروع الدولة العربية ، و ما أنجز في موضوع الهوية الوطنية العربية !

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقال رائع. عندما يفهم العربي انه انسان له حق الحرية والكرامة ويفهم بأن نفس الحق يجب ان يعطى لجاره وأخاه في الوطن، عندها يبدأ حال العرب بالإنصلاح. مشكلة العرب والدول النامية عموما انها لا تعترف بانسانيتها قبل مذهبيتها او قبائلها او قوميتها او لونها

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here