خليل قانصوة: سقوط دول لبنان الأربع!

خليل قانصوة

 إن الذين يعرفون لبنان و نظامه الطائفي لن يعترضوا بالقطع على مقولة تفيد عن و جود أربع دول طائفية في هذه البلاد . هذا معطى ملموس يعيشه الناس على اختلاف فئاتهم الاجتماعية و الطبقية و العمرية، ولكن مواقفهم منه تتميز بأنها تنحصر ضمن حدود دولة الطائفة التي وُطّنوا فيها فرضا عليهم، بحسب نظام المحاصصة الذي لم ينجوا جميعا منه، صغيرهم وكبيرهم، العالم منهم و الجاهل.

 بكلام أكثرا صراحة ووضوحا ينوء اللبنانيون بمتزعمي الطوائف الدينية التي يُصنفون اجتماعيا و سياسيا (وليس دينيا (في عداد أتباعها، لا سيما أن الحروب التي دارت في سنوات 1970 أنجزت الفصل بينهم واضطرتهم إلى الاحتماء في المناطق التي تسكنها طوائفهم تجنبا لعمليات التطهير الطائفي،على أساس بطاقة الهوية الشخصية !

 و من المعلوم أن من ميزات المجتمع العربي أيا كانت أسس تكوينه، هي التراتبية أو التصنيف بحسب القرابة من الحاكم و الولاء له بالإضافة إلى الحسب و النسب. فكان طبيعيا الا تشذ دول الطوائف في لبنان عن هذه القاعدة. و حتى لا أطيل في هذه المسألة أقتضب فأقول أن جميع أهل دولة الطائفة الواحدة، الذين لا يوالون زعيمها أو الذين يعتبر هذا الأخير أن لا فائدة ترجى منهم في تدعيم زعامته، لا يستحقون وظيفة رسمية يتقدمون إليها و لا يستأهلون نفس معاملة الأنصار والمحاسيب في إدارات الدولة اللبنانية و مستشفياتها و جامعاتها، بالإضافة إلى انهم غير مقبولين بتاتا في ” القطاع الخاص ” التابع لدولة الطائفة الذي يشمل، التعليم و الاستشفاء و الخدمات (الماء و الكهرباء ) و فرص العمل في جميع المجالات و من ضمنها العمل الحر.

 استنادا إليه، يوجد في كل طائفة من طوائف اللبنانيين فئة دخلت في خدمة زعيمها وأخرى تضم الذين لم ينالوا شيئا من كرمه، إما لان الحظ لم يحالفهم ( وصلوا متأخرين ) أو لانهم ظنوا أن مؤهلاتهم المهنية و العلمية تغنيهم عن الوقوف أمام أعتاب قصوره استجداء لعطفه و حسنته، و إما لانهم اعترضوا على تشرذم اللبنانيين تحت تأثير نظام طائفي متحجر وصل لا شك في ذلك إلى نهاية الطريق، بالإضافة إلى انه ليس مقبولا بالمعايير الوطنية و الاجتماعية و الفكرية!

 الرأي عندي أن هذين الفريقين موجودان في كل دولة طائفية . كثيرون بين الموالاة يتباهون صلفا و فجورا بثروات كبيرة يعتقد الناس أنها جمعت عن طريق الرشوة و الخوة والتسلط وانتهاك القانون و عدم الخوف من القصاص . و في المقابل ليس امام المعترضين على الفلتان الأمني والانحطاط الأخلاقي إلا الصمت و البحث عن باب يهجرون منه البلاد و أو يهجِّرون منه الأبن الذي لا يجد جامعة أوعملا أو وظيفة لأن و الديه من “المغضوب عليهم أو من الموصومين بالانتماء ذات يوم إلى جزب علماني “. دولة الطائفة هي في جوهرها فاشية و قرن وسطية!

 مجمل القول أن الانتفاضة الشعبية تعكس في الواقع افتضاح أمر دولة الطائفة، مثلها مثل الدولة العربية، بما هي موسمية ذات ديمومة محدودة نتيجة عطل داخلي بنيوي بالإضافة إلى دور متزعمها الوظيفي في خدمة الجهات الراعية . فمن المعروف أنه كلما طال بقاء الحاكم في منصبه ازداد جشعا و طغيانا و تكبرا واقتناعا بانه استثنائي . ومن البديهي أن دولة الطائفة هي نقيض المساواة و العدل والحكم الرشيد. إن تبخر أموال الدولة اللبنانية أدى إلى خلل التوازن في دولة الطائفة بين الأنتهازيين و المحاسيب و المستخدمين و الحراس من جهة و بين المهمشين و المفقرين والعاطلين عن العمل والشباب من جهة ثانية . فسقطت شرعيتها وظهر ضعفها، و انتفى الخوف منها و التقى الناس الذين أتوا من دول الطوائف الأربع لكي يعتصموا و يتظاهروا معا رفضا لها . و لكن هذا لا يعني أنهم متفقون على الأولويات و على الحلول و على أسلوب ووسائل التصدي للأعداء المتربصين . لا تقع المسؤولية عن ذلك على الانتفاضة و انما على أمراء الحرب الذي حكموا البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية و خاصة في السنوات الثلاث الماضية!

كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here