خليل قانصوة: الانتفاضة اللبنانية تراوح مكانها!

خليل قانصوة

ليس مستغربا ألا يتأثر أركان السلطة في لبنان كثيرا بالضغوط التي تجسدها منذ حوالي الشهر (17 نشرين أول ، أوكتوبر) الانتفاضة الشعبية . فلا نكشف سرا عندما نقول أن الدولة في لبنان تحتكم إلى نظام طائفي ، و أن الطوائف الرئيسية جردتها  من بعض صلاحياتها  في  حقول أساسية مثل التعليم الرسمي في جميع المراحل ، التوافق على كتابة و تلقين تاريخ البلاد ، الصحة العامة ، العمل ، العلاقات الخارجية ، الأمن الداخلي و القضاء  ، الأمر الذي يقوض  قواعد العيش الوطني المشترك . العصبية الطائفية تتعارض مع أي مشروع وطني يقوم على أساس المساواة

بكلام آخر إن ما يميز الحالة اللبنانية هو الانفصام الحاصل بين الدولة أو شبه الدولة من جهة و الطائفة من جهة ثانية . ينجم عنه أن من الصعب موضوعيا إلقاء المسؤولية على كاهل الحكومة المركزية كونها تتشكل عادة من ممثلي الطوائف ، الذين توافقوا فيما بينهم على اقتسام الحقائب الوزارية وواردات الخزانة ، و بالتالي فإن مرد الأزمة في لبنان يعود أساسا إلى دولة أمير الطائفة  وبدرجة أقل إلى الوزير الذي يمثله في الحكومة .

استنادا إليه ، لا حرج في القول أنه لا جدوى في موضوع الإصلاح من إصدار القوانين والمراسيم طالما أن أمير الدولة الطائفية لا يعمل بها و ليس ملزما باحترامها . بكلام أكثر صراحة و وضوحا إن النظام الطائفي هو نقيض الدولة الوطنية  و السبب الأساس لتعثر نشأتها و للأخطار الوجودية التي باتت في هذا الزمان تهددها .

هنا ينهض السؤال بخصوص الدولة الوطنية . الرأي عندي أنه لا بد أولا من توحيدها وهذا يتطلب في ما يتطلب إنزال أمراء الطوائف عن كراسي الحكم في الكيانات الطائفية بالإضافة إلى ضرورة إلغاء النظام الطائفي . هذا يمثل  لا شك في ذلك ، مسألة معقدة و صعبة جدا . المفارقة تكمن في  أنه  ليس بالإمكان  في أغلب الظن حل هذه المسألة  بالأساليب و الوسائل السلمية هذا من ناحية أما من ناحية ثانية  فأن التجارب تثبت أن الوحدة اللبنانية لا تتحقق  بالحرب ! ( المأزق).

مجمل القول أن أصل الفساد و السرقة و هدر المال العام و سوء الإدارة هو في دولة الإمارة الطائفية ، و في لبنان عدة أمارات طائفية ، بل لا نجازف في القول أن الإمارة الطائفية تتغذى من الموبقات المشار إليها و تستمد منها علة وجودها . ينبني عليه ان الدولة الوطنية اللبنانية ستبقي  خيالا ما لم تتلاشى الإمارات الطائفية ، و أن لا فائدة  قبل ذلك من الكلام والوعود عن الإصلاح و كفاح الفساد و السرقة .

يتضح من هذا كله أن اللبنانيين هم حيال مأزق خانق ناهيك من أن مستلزمات الخلاص منه أو النجاة تكاد أن تكون معدومة ضمن جغرافية البلاد  الطبيعية و السكانية و أن الأفق غربا مسدود . فلا خيار أمامهم إلا  بالعودة إلى الحضن السوري أو بالانضمام  إلى سورية ، حيث المجال أوسع و أكثر ملاءمة للتحلل من الطائفية و من عقدة الخوف من الآخر التي يبرر بواسطتها ، بعض متزعمي الطوائف الاستنصار بالمستعمرين .

يحسن القول وضعا للأمور في نصابها الصحيح أن هذا كله لا يعني أن المجتمع السوري سليم  بدليل أن الحرب أثبتت العكس أو أن الدولة السورية  نزيهة  ، و لكن بالرغم من ذلك لا يمكن كسب المعركة الوطنية إلا في السورية و ليس في لبنان ، و أن تضافر جهود المناضلين الوطنيين اللبنانيين و السوريين  يجعل التحرير والدولة الوطنية المستقلة هدفا واقعيا قابلا للتحقيق .

 وأخيرا لعل من دروس الانتفاضة الوطنية الشعبية في لبنان بعد شهر واحد من انطلاقتها أنها أعادت  إلى الأذهان مسألة وحدة المصير السوري اللبناني إلى سلم أوليات النضال من أجل التحرير  و الدولة الوطنية اللبنانية السورية المستقلة.

كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here