خليل قانصوة: ارتداد الأزمات إلى مصدرها الخليجي

خليل قانصوة

لا نجازف في القول أن بوادر أزمات بدأت تظهر في مملكات و إمارات شبه جزيرة العرب بعد أن مثلت خلفية الهزيمة الماحقة في حزيران 1967 أرضية ملائمة لتنامي نفوذها على الساحة العربية حتى بلغ الذروة في سنوات 1990 و ما بعدها ، حيث كانت على مدى العقدين الأخيرين منصات رئيسة لما سمي ” الربيع العربي ” .فكأننا الآن حيال أزمات في هذه المملكات و الإمارات، هي ارتدادات أمواج الثورات التي سوقتها ، عن ساحات يغطيها الركام ومستنقعات الدم كمحصول نهائي كان مرتقبا ، بين الجزائر غربا وبغداد شرقا وصنعاء والخرطوم جنوبا

ومن نافلة القول أن مقاربة هذه الأزمات تجبر المراقب بداءة بدءٍ على أن يأخذ بعين الاعتبار الموقع الذي تحتله الدول النفطية العربية في النظام الإمبريالي الأميركي الإسرائيلي ، بما هي في الواقع دول تحت الرعاية لا تملك حيزا واسعا من الحرية ، ينبني عليه أن المنطق لا يجيز تقييم تحركها في إطار الأحداث التي عصفت في بلدان عربية كان لدولها منذ نشأة الدولة العربية ، مساهمة محورية في كينونة الوجود العربي أو العروبي علي الصعيد الدولي ، إلا من خلال العلاقة التي تربط هذه الدول النفطية بالنظام الإمبريالي .

يحسن التذكير هنا بأن الرجعية العربية ساهمت إلى جانب الولايات الأميركية و حلفائها في محاربة الناصرية (في مصر ، حرب القناة سنة 1956 و في سورية بواسطة حلف بغداد سنة 1955 ثم بإفشال الوحدة سنة 1961 ، و حرب اليمن ابتداء من سنة 1962 التي استمرت حتى حرب حزيران 1967) و الرأي عندي أن الملك السعودي فيصل كان يريد بعد حرب تشرين / أوكتوبر 1973 ، التوقف عن تفكيك الدولة في مصر بعد أن تم محو أثار الناصرية ـ العروبية التي كان يخاف خطراها ، و لكن الرجل كان يجهل في ظاهر الأمر مضمون الخطة الأميركية الإسرائيلية ( على الأرجح أن رئيس الوزراء اللبناني السيد رفيق الحريري اصطدم هو أيضا بعد سنة 2000 بمضمون هذه الخطة ، و أغلب الظن أن المسؤولين في العراق و في سورية زاغت أبصارهم عن هذه الحقائق ، و لا شك في انهم ليسوا الأخيرين )

أكتفي بهذه التوطئة لأقول أن أزمات الدول النفطية الخليجية العربية ، و هي من و جهة نظري معطى مثبت الآن ، تبطن دلالات عديدة عن طبيعة هذه الدول أو بتعبير أدق الكيانات ، و انعكاسات الدور المُضّخم الذي مارسته ضمنيا تحت الإشراف الفعلي للإمبريالية الأميركية الإسرائيلية في زعزعة دعائم الدولة و الوطن في البلدان العربية بوجه عام ، و في البلاد السورية و ما بين النهرين على وجه الخصوص . و لكن لست بصدد تناول هذا الموضوع الذي يحتاج إيفاؤه إلى تفاصيل لا يتسع لها المجال هنا . لذا أقتضب لأسلط الضوء على نقطتين لا بد من التوقف عندهما في محاولة استشراف القادم من الأمور :

ـ لقد تعثر تنفيذ الخطة الأميركية الإسرائيلية في سورية و العراق . هذا عائد إلى اعتداد أصحابها بالنفس ما جعلهم يعتقدون أن بمقدورهم “صنع الحقائق ” على الأرض وفرضها ، دون أن يحسبوا حسابا للطبيعة و الثقافة ، كأن سورية و بلاد ما بين النهرين بقعة معزولة سائبة ، يمكنهم إفراغها من أهلها و تقسيمها على هواهم . حتى لا أطيل في هذه المسألة أقول ان مرد استعصاء ” الحقائق الأصلية ” إلى وجود دول وطنيىة محيطة بسوريا و العراق ، هي أيران و تركيا و روسيا بالإضافة إلى مصر التي لم يستطع الأميركيون و الإسرائيليون انتحال دورها ووظيفتها بالرغم من الهزائم و النكبات .

ـ النقطة الثانية تمثلت استنادا إلى ما يظهر عيانا ، ربما نتيجة إلى استحالة لوي عنق الحقائق السورية و العراقية و المصرية ، في المدى المنظور و المتوسط ،بسلوك الامبريالية الأميركية الإسرائيلية نهج النّـهب لكل ما يمكن اغتنامه ،أموالا وثروات طبيعية و تراثا حضاريا ، بالإضافة إلى سرقة الأدمغة . فأخشى ما يخشى هو أن يكون الأوان قد فات ولم يتعظ حكام الدول النفطية ، بتجارب الماضي وبالتجربة الليبية تحديدا . فشلت الامبريالية في سورية و العراق فتحولت إلى قوة ناهبة ، قبل انسحابها!

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الازمات عندما تحل فالشعوب بما تؤمن تتحرك لمقاومة الازمات ,,
    الشعب العربي الذي خرج مقاوما استعمارا غربيا انكليزي وفرنسي وايطالي اصبح بتلك البلدان يحمل خاصية المقاومة للاجنبي والمستعمر وللصهاينة ,, وهذا ما عهدناه باكثر البلدان العربية من شعب مصر وليبيا وتونس والجزائر ولبنان وسوريا والعراق ,, وطبعا شعب فلسطين ,,
    اختلف الانسان بتلك البلدان عن الذي يعيش بالخليج منذ قرن من الزمان تحت علاقة تامة مع اميركا بدأت علاقة مصالح وحماية وما زالت ,, فيبدو بحالة كسل ثوري كما يعبر عنه ,,
    فازمات حصلت بمصر بزمن عبد الناصر ابدت التفاف شعبي مصري كبير مع عبد الناصر ,, اما بعد وفاته ومجيء السادات فيمكن القول ان المؤامرة على مصر نجحت بخداع السادات المقرب من عبد الناصر لشعب مصر باخذ مصر الى خارج العالم العربي وهذا ما نجحت فيه الانظمة الرجعية ,,
    وبعدها كانت محاولات كثيرة وازمات خطيرة طالت دول شمال افريقيا نوعا ما لكنها فشلت في لبنان وسوريا والعراق بسبب حركة الشعوب التي تملك مقومات مقاومة تلك الازمات ,, فالمقاومات الشعبية احبطت الازمات
    وتلك الحالة تزداد قوة وصلابة واثبتت انها اقوى من جيوش ,,
    لكن الارتداد بالخليج لانها لا تملك مقومات المقاومة بل تكاد تعيش على المصل الاميركي ليحمي عروشها ,,
    والخليج لا يريد بنفس الوقت ان يكون ابناءه يحمل نفس مناعة ابناءنا فهم ليسوا على خلاف مع المستعمر فهم اكبر سوق لشراء السلاح واموالهم تتدفق اليه ,, وبنفس الوقت لا يهمهم اي ايديولوجية او فكر تحرري ان يصل لابناءهم كي لا ينقلبوا عليهم ,,
    الارتداد الفكري عليهم هو الفكر الارهابي منتشر عندهم بكثرة ومنهم من بقوا بحالتهم المسالمة ومنهم من يجنح ليكون مجاهدا كما يوصفون ,, هذه الحالة موجودة وتشكل خطرا عليهم ان تم توجيهها يوما ما من اجهزة استخباراتية وهذا خطر كبير لانهم اوجدوه ونشروه فلم يتقبله العرب فالارجح انه سيتفشى بينهم ويصبح وباء يوما ما ,,
    وفي ازمات المنطقة وكان الخليج او بعضه من اججها فكانت ايران حاضرة لتقاوم هذه الازمات ,, وبعد انجلاء الموقف وانكشاف الضباب تهاوى معظم المشروع على المنطقة وباتت مواجهة الاصلاء ,, بعض دول الخليج ضد وايران ,, الدول التي افشلت لهم ايران مشاريعهم بمساندة العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ,, نراهم مجتمعين مع الصهاينة بمقارعة ايران يحاسبوها على دعمها للمنطقة ,,
    ثم نعود ونسأل عن الجندي السعودي والجندي اليمني او الايراني ما هو الفرق لكي يكون لدينا فكرة عما قد يحصل وما قد تكون النتائج ,,

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here