خليل البكراوي: محاولة لرصد تعثرات الحكومة المغربية، وتفكيك حيثيات الفشل!

خليل البكراوي

عرفت الحكومة المغربية التي يقودها حزب العدالة والتنمية بتحالف سياسي فج ومهلهل رفقة خمسة أحزاب أخرى  – متمثلة في حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب الحركة الشعبية، حزب الاتحاد الدستوري، حزب التقدم والاشتراكية، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية – عرفت عدة اخفاقات وتعثرات في شأن تسيير أحوال البلاد والعباد، ولاسيما أن هذه التعثرات كانت في قطاعات حيوية ومهمة لها علاقة وطيدة بحياة المواطن كقطاع التعليم والشغل والصحة (..)، وبهذه القطاعات يقاس مدى تقدم الشعوب وتخلفها، ففي آخر تقرير لمنظمة هيئة الأمم المتحدة حول التنمية البشرية تم تصنيف المغرب في رتبة 123 من أصل 189 دولة شملتها الدراسة، وهو تصنيف جد متدني مقارنة مع خيرات البلد والثروات التي يتوفر عليها، لكنه واقعي يعكس تماما حالة البؤس الإجتماعي الذي يعيشه المغاربة أو بالأحرى تعايشوا معه.

فقطاع التعليم الذي يعتبر قاطرة نحو التقدم والتحضر قصد الإنفلات من قبضة الجهل والتخلف يعرف تراجعات مهولة ومخيفة جدا سواءً من ناحية التحصيل المعرفي للمتعلم أو وضعية المدرس التي تتميز بالهشاشة والضعف (..) بالإضافة الى ضعف البنيات التحية، هذا فضلا  عن طبيعة المقرّرات الدراسية التي لا يتناسبب مضمونها مع طبيعة سوق الشغل وحاجياته التي تتطلب تخصّصات حديثة وملائمة لروح العصر ؛ مما نتج عن هذا الأمر اضطراب في السوق الشغل، وارتفاع نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات الجامعية أمام غياب أي مبادرة جادة ومسؤولة من طرف الحكومة لخلق مناصب شغل معقولة، و تشغيل هؤلاء الشباب أو على الأقل تتيح لهم امكانية فرصة ثانية من أجل التكوين. وهذا الوضع القاتم على مستوى قطاع التعليم والشغل لا يختلف تماما عن طبيعة الوضع الصحي بسبب نذرة الموارد البشرية، وقلة المستشفيات الصحية، وطول مدة المواعيد التي تمنح للمرضى قصد اجراء فحوصات طبية أو تحاليل مخبرية في المراكز الصحية التابعة للدولة، فلم يبقَ للمواطن الكادح المغلوب على أمره أي حل آخر سوى بيع الغالي في سوق الرخيص من ممتلكاته قصد توفير مصاريف العلاج في المصحات التي يملكها الخواص.

وهذه التعثرات الكبيرة والتراجعات المخيفة التي تعرفها الحكومة المغربية على مستوى التسيير، فهناك عدة حيثيات تفسر ذلك؛ فمنذ الانتخابات التي عرفها المغرب سنة 2016 وما رافقها من مفاوضات بين الأحزاب السياسية، والتي استمرت لمدة طويلة يمكن عدها بالأشهر، وفي نهاية المطاف أفرزت لنا تشكيلة حكومية هجينة وغير منسجمة سنة 2017، وهذا الأمر راجع بالأساس الى طبيعة المرجعيات الإديولوجية التي تختلف من حزب لآخر؛ فمثلا حزب التجمع الوطني للأحرار و حزب الحركة الشعبية، وضف لهما حتى حزب الاتحاد الدستوري لهم مرجعية ليبرالية رأسمالية في حين حزب التقدم والاشتراكية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لهما مرجعية يسارية اشتراكية، أما حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة له مرجعية دينية محافظة . ورغم تواضع مكونات الحكومة المُشكِّلة للأغلبية على مشروع حكومي موحّد قصد خدمة الوطن والمواطن بعيدا عن أي حساسية سياسية أو فكرية كما زعموا . وبما أن “السلطة لا تلد الحقيقة، فالحقيقة بنت الزمن” كما يقول الفيلسوف الانجليزي افرانسيس بيكون رائد فلسفة “الملاحظة والتجريب” ، كان لزاما أن ننتظر، فتبين بعد مرور هذه المدة كاملة أن تلك الوعود المعسولة التي وعدتنا بها الحكومة، كانت مجرد كلام وفقط ، كلام بُـثَّ على شاشة التلفزيون و أُذيع على أمواج الرّاديوا وكُتِبت حوله قصاصات اخبارية في الصحف، أما النتائج والحقيقة التي أثبتها الزّمن كانت على عكس ذلك تماما ، والضحية هو المواطن البسيط الذي ينتمي للطبقة المتوسطة وما تحتها بسبب التجاذبات واختلاف الآراء والرؤى لمعالجة الملفات الساخنة المعروضة (..) مما نتج عنه ضعف في التسيير، وعدم التسريع في انزال البرنامج الحكومي المتفق عليه. وهذا الأمر فعل طبيعي ما دام توجهات الأحزاب مختلفة فكريا؛ فمرجعية الفكر الاشتراكي على طرف نقيض مع مرجعية الفكر الرأسمالي، في حين المرجعية الدينية المحافظة تختلف مع المرجعتين السالفتين أحيانا وتتفق معم أحيانا أخرى حسب طبيعة القضية. ومن يريد أن يحصل انسجام وتمازج ما بين هذه المرجعيات الثلاث كمن قام بخلط الماء بالزّيت ، وجلس ينتظر التمازج، لكن الحصيلة سيظل الماء في الأسفل، والزيت سيصعد للأعلى، ومن ينتظر نتيجة ايجابية بحصول تمازج، سيُضيِّع وقته لا غير.

وأمام هذا الوضع (..) فلا غرابة إذن أن نرى خروج فعاليات اعلامية مختلفة التوجهات تعبر عن غضبها في الصُّحف، وتدعوا الى حل الحكومة والبرلمان بغرفتيه، وتقترح تشكيل حكومة كفاءات وطنية تقوم بتسيير البلاد، واعطاء للأحزاب فترة نقاهة عسى أن تكون فرصة لممارسة النقد الذاتي ومراجعة نفسها واعادة ترتيب بيوتها الداخلية، وبعد سنة أو سنتين ممكن أن تكون أنذاك انتخابات جديدة لعلّها تفرز لنا حكومة منسجمة سياسيا، و واضحة ايديولوجيا، ولها غيرة حقيقية على هذا الوطن، ورغبة جادّة ومعقولة في تحمل المسؤولية لخدمة البلاد والعباد.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here