خليل البكراوي: أحزاب اليسار بالوطن العربي ما بين النهايات الحتمية وتعديل المواقف

خليل البكراوي

إن الحديث عن تجربة الفكر اليساري بالوطن العربي، حديث ذو شجون ونوستالجي بامتياز، وفيه استحضار لذكريات المجد العربي الضائع الذي كان ممتدا من المحيط الى الخليج، مجد بفكر يساري كان يستمد مقوماته وقيمه من المدرسة الماركسية القائمة على مبادئ العدالة الإجتماعية والمساواة في الحقوق ما بين جميع أفراد المجتمع، هذا مع حفاظ الاشتراكية في نسختها العربية على هوية الشعب العربي الدينية، وقيم عروبته وما تضمه في كنفها من فخر وكرامة وعزة نفس وغيرة على بعضها البعض، بل أكثر من ذلك، فالإشتراكية العربية تميزت ببعد قومي في مسارها، وقامت بتوحيد الصف العربي، على خلاف ما تعيشه الأمة العربية اليوم من تصدعات وصراعات سواء الخفي منها أو الظاهر، ورغبة كل دولة من هذه الدول في فرض سياساتها على باقي الدول تكريسا لمبدأ التعبية (..)، وقليلة هي الدول التي تتميز سياساتها بالحكمة والتعقل والتروي وشد العصى من الوسط، وتحاول ما أمكن رأب الصدع الحاصل وتوحيد الهدف، واصلاح ما يمكن اصلاحه من خلافات سياسية، كل هذا حفاظا على لحمة الوحدة العربية التي تتربص بها الأطماع الخارجية في كل وقت وحين، “فلا وحدة للصف العربي بدون وحدة الهدف للشعوب العربية” كما قال الزعيم المصري جمال عبد الناصر أحد رواد الإشتراكية العربية في احدى خطاباته الجماهيرية، ويضيف المغربي محمد عابد الجابري فيلسوف الاشتراكية العربية ومؤلف رباعية نقد العقل العربي قائلا ” ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﺮﺑﻴﺎً ﻫﻮ ﺃﻥ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺄﻧﻪ ﻋﺮﺑﻲ ﻓﻌﻼً ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﺷﻌﺐ ﺃﻭ ﻓﺮﺩ ﻋﺮﺑﻲ ﻟﻌﺪﻭﺍﻥ ﺃﺟﻨﺒﻲ . ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻬﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﺍﻷﺯﻣﺎﺕ ﻻ ﻳﺘﻨﺎﻗﺾ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﺰﻭﻉ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺪﺩﻧﺎ ﺑﻪ ﻫﻮﻳﺔ ” ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ” . ﺑﻞ ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺰﻭﻉ ﻟﻴﺲ ﺷﻴﺌﺎً ﺁﺧﺮ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻲ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺧﺎﺭﺝ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﺍﻷﺯﻣﺎﺕ . ﻭﻫﻞ ﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﺷﻲﺀ ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﺭﺩ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺿﺪ ” ﺍﻵﺧﺮ ” ﻭﻧﺰﻭﻉ ﺣﺎﻟﻢ ﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ” ﺍﻷﻧﺎ ” ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺃﻗﻮﻯ ﻭﺃﺭﺣﺐ “.

عرفت الاشتراكية العربية توهجا ونجاحا كبيرا في النصف الثاني من القرن الماضي، حيث نشأت حركات يسارية ماركسية عربية قومية في المنطقة العربية، وذلك بتأطير من النخبة المثقفة، حيث دافعوا عن هذا المشروع الفكري باستماتة كبيرة جدا، واعتبروه بمثابة الخلاص الآمن والحل الأمثل لتقدم الأمة العربية، وانتشالها من براثن الفقر والجهل والتخلف والصراعات التي كانت تشهدها أنذاك، واستطاع هؤلاء المثقفين من كتاب وشعراء ومفكرين تـطْويع الفكر الماركسي مع طبيعة ثقافة المجتمع العربي وهوتيه الأصيلة، بل توفقوا الى حد كبير في ذلك، حيث تعاملوا بذكاء حاد وبصيرة متقدة، وأخذوا ما يليق من الفكر الماركسي، و ما يتطابق مع ثقافتهم سواء على المستوى الاقتصادي أو الإجتماعي كالتوزيع العادل للثروات، ومحاربة التفاوتات الطبقية، وردم الهوة الحاصلة ما بين الأغنياء والفقراء عن طريق فرض الضرائب بشكل يحقق التوازن المطلوب، لا  تلك الضرائب الرمزية، و سهر الحكومة المنتخبة بكل حزم على تنفيذ هذه العملية، وما الى ذلك من الإجراءات الإقتصادية والاجتماعية، وفي المقابل تركوا كل ما يتعارض مع الثقافة العربية على مستوى القيم الروحية و العقدية، لأن الماركسية  على مستوى هذا الجانب قائمة على المادة و تتعارض بشكل قطعي مع كل ماهو روحي وغير مادي.

هذا التوهج الذي عرفة الفكر الماركسي بشقيه الإقتصادي والاجتماعي بالوطن العربي بدأ يخفت شيئا فشيئا في العشريات الأخيرة من القرن العشرين مع توالي النكسات العربية وخيبات الأمل التي صاحبتها في الكثير من المحطات التاريخية، وكذلك بداية تراجع المد الإشتراكي عبر العالم، وتفكك دول الإتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين سنة 1989 ، هذا الانهيار كان بمثابة علامة فارقة في مسار الفكر البشري، ومحطة تحول كبرى سيشهدها العالم فيما بعد (..) . وكل هذه التداعيات شكلت بشكل أو بآخر في عدم استمرار الاشتراكية العربية بالشكل الذي كانت عليه على مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك على مستوى القومي المتمثل في الحفاظ على الوحدة العربية وحمايتها من التشرذم.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد، هل ماتت الإشتراكية العربية اليوم؟ هل أصبح أبناؤها بدون مذهب فكري يجمعهم ويلم شملهم؟ الجواب : لا، وفي نفس الوقت: نعم، الإشتراكية العربية اليوم في حالة قاب قوسين أو أدنى من الموت وبعبارة أخرى تعيش حالة احتضار، والمعطيات الموضوعية تؤكد ذلك، نظرا لغياب البعد الهوياتي في الإشتراكية المتبناة من طرف احزاب اليسار في عصرنا هذا، بل تصل الى حد المعاداة لهذا البعد، مما خلق تباعدا ما بينها وبين قاعدة الجماهير الشعبية و مرجعيتها العربية، على خلاف الإشتراكية العربية التي كانت سائدة في القرن العشرين. ولعل من بين الأمثلة الحية على ذلك هو السقوط الحر الذي عرفته أحزاب اليسار بالمغرب في آخر محطة انتخابية عرفها البلد، رغم دعم النخبة المثقفة والحداثية لهذا المشروع السياسي، لكن النتائج كانت محتشمة ومخيبة للآمال وصادمة أيضا. ونفس الأمر ينطبق تماما على بعض تجارب الدول العربية.

فما العمل إذن من أجل الخروج من هذا النفق المظلم، المخيب للآمال والمحطم للأحلام؟ وما أهم الخيارات المطروحة أمام الإشتراكية العربية اليوم؟ العمل هو لا مفر من تعديل مبادئ الماركسية وتكْيـيفها مع طبيعة الثقافة العربية و هويتها حتى تكون لها قاعدة جماهيرية واسعة، وغير هذا الخيار، ستكون الإشتراكية العربية أمام خيار آخر، خيار استمرار عملية صب الماء في الرمال، وحصد المزيد من الفشل وتجرع مرارته بعد كل محطة انتخابية، وانتظار النهايات الحتمية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here