د. طارق ليساوي: خلفيات أبعاد ما يحدث في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة

د. طارق ليساوي

أشرنا في مقال التطبيع مع الكيان الصهيوني حقق أهدافه… إلى أن فلسطين المحتلة يبدو أن شعبها هو الشعب العربي الوحيد الذي نجح في التحرر و استرداد إرادته العامة، و المشهد الذي رأيناه في باحة المسجد الأقصى طيلة الأيام الماضية، و في ليلة 27 من رمضان، يجعلنا نؤكد هذا الكلام و نعيد تأكيده، ففي الوقت الذي تغلق فيه المساجد في بلدي المغرب و في العديد من البلدان العربية ، أمام المصلين و القائمين و الذاكرين في ليالي رمضان، نرى في بيت المقدس ألاف المصلين يتحدون المحتل الغاصب و يقيمون ليلة القدر ، و كم يشعر المرء بالحزن و الأسى عندما يرى أن بيوت الله مغلقة في بلده طيلة ليالي رمضان الكريم، كما لو أن فيروس كورونا بسلالته المختلفة، لا يستهدف إلا بيوت الله، بينما الأسواق العامة و وسائل النقل العمومي و المساحات التجارية الكبرى و المصانع و المنشآت العامة، محصنة من هذا الفيروس؟؟ و لا يسعنا أمام هذا الوضع المأساوي إلا الاستشهاد بقوله تعالى: ( و من أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها إسمه و سعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ، لهم في الدنيا خزي و لهم في الأخرة عذاب عظيم) ( البقرة: 113 ) و في ذلك مجانبة للصواب، و عدم فهم لخطورة الإجراءات المتخذة ضد بيوت الله حتى و إن كانت بنوايا محاصرة المرض و منع تفشيه، فالأجدر هو البحث عن بدائل و حلول فعالة لمنع و تجنب غلق المساجد كما حدث في أغلب البلدان الإسلامية، ففي ماليزيا و اندونيسيا وفي أوج الموجة الأولى من فيروس كورونا لم يتم إغلاق بيوت الله و إنما تم تعزيز إجراءات الوقاية ووضع صناديق زجاجية لتعقيم المصلين قبل ارتيادهم المسجد، و وضع شارات تحدد مكان كل مصلي لضمان التباعد،بل في قلب البلدان الغربية تم تجنب قدر الإمكان غلق دور العبادة بما في ذلك المساجد و قد أقيمت صلاة التراويح في مساجد أوروبا هذا العام ، فهل تغلبت أوروبا عن وباء كورونا؟ و هل انخفضت  بها الإصابات وعدد الموتى نتيجة للفيروس المتحور؟  فمعركتنا اليوم مع هذا الوباء ليست معركة علمية أو إحترازية أو أمنية .. و إنما هي معركة روحانية أيضا، سلاحها التضرع للمولى و طلب العفو و العافية منه تعالى فهو الشافي، و قد رأينا كيف تعاملت قطاعات واسعة من الشعب الهندي مع تفشي الوباء  …نعم نحن مع كل الإجراءات التي تستهدف منع تفشي المرض، و قد عبرنا في السنة الماضية عن دعمنا  للتدابير التي أتخدت و من ضمنها الحجر الصحي، لكن تبين اليوم أن الفيروس أصبح مستوطنا و متحورا، و الحل الأفضل لمحاصرته هو تعزيز الإجراءات الوقائية على المستوى الفردي، و أعتقد أن المكان الأكثر تنظيما هو بيوت الله،  فمريدي المساجد يحترمون قواعد التباعد الاجتماعي و التعقيم ، فغلق المساجد و تقييد حركة الناس و خاصة في البلدان الهشة اقتصاديا و اجتماعيا أمر مضاره و مفاسده أكثر من منافعه…خاصة و أن هذا الفيروس أعجز الحكومات و الدول و لا بديل إلا طلب العفو و العون من رب الناس و رب الوباء هذا بجانب أخد الأسباب طبعا …

أما بالعودة إلى الاعتداءات المتكررة للصهاينة على بيت المقدس و انتهاك حرمته، فذلك ليس بالأمر الجديد ، بل هو سياسة ممنهجة غايتها تتعدى منع المصليين و التضييق عليهم و إنما تستهدف هدم المسجد و إقامة الهيكل المزعوم على أنقاذه و تهجير الفلسطينيين من بيوتهم بمختلف وسائل الجبر و التضييق و مايحدث في حي الشيخ الجراح مثال على هذا الأسلوب الممنهج ، الذي بدأ منذ أواخر القرن 19 م…

فقد شكل  ترحيل وتوطين  الفلسطينيين خارج فلسطين أحد أهم أعمدة الفكر الصهيوني التي روج لها “تيودور هرتزل” منذ أكثر من مائة عام عندما كتب في 12 يونيو عام 1895 قائلا : “سنحاول طرد المعدمين خارج الحدود بتدبير عمل لهم هناك وفي الوقت نفسه سنمنعهم من العمل في بلدنا…”و منذ أن وقعت النكبة في عام 1948 كانت جهود الصهاينة تنصب نحو إخلاء أرض فلسطين من أهلها و من ملاكها الأصليين عبر التنكيل و القتل و التهجير.. و تم ذلك، بدعم من القوى المؤيدة لإسرائيل في أميركا وأوروبا بالسعي لإضفاء العقلانية على جريمة تهجير الفلسطينيين وطردهم من أرضهم بدعوى أن ذلك بات أمرا واقعا يجب التسليم به والتفكير في وضع الحلول الإنسانية له .. وفي إطار هذا المخطط الخبيث صدرت عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الاستراتيجية عام 1949 دراسة مريبة تقترح توطين اللاجئين في سوريا والعراق وشرق الأردن وتستثني لبنان بدعوى أنه مكتظ بالسكان وتركيبته معقدة.

ثم أنه على مدى يقرب من 20 عاما منذ قرار التقسيم، وحتى نكسة يونيو 1967 صدرت العديد من الدراسات الأميركية والبريطانية المماثلة بهدف الترويج لتصفية قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة من خلال مشروعات للتوطين في الدول العربية كان أبرزها مشروع جونسون لتوزيع المياه العربية الذي جرى طرحه عام 1954 وظل الإلحاح مستمرا بشأنه حتى عام 1967 باسم إمكان تسوية القضية من خلال تخصيص جزء من مياه نهر اليرموك والأردن لتوطين الفلسطينيين في الضفة الشرقية للأردن.

و عندما وقعت النكبة وجرى اغتصاب فلسطين بتحالف بين المؤامرة السياسية الممثلة في قرار التقسيم عام 1947 وبين القوة العسكرية ممثلة في نتائج حرب عام لم يكن ما يملكه اليهود كأفراد ومؤسسات على أرض فلسطين 1948 يتجاوز 8% فقط من مساحتها الكلية حيث كان ما يربو على 92% ملكا للشعب الفلسطيني وللأوقاف الإسلامية من عهد الخلافة العثمانية.فعلى أرض فلسطين وقعت أبشع جريمة سياسية وإنسانية في التاريخ حيث تمكنت أقلية أجنبية من غزو فلسطين وطرد أهلها وإقامة الدولة العبرية على أشلاء 531 مدينة وقرية بعد طرد أهلها الذين كانوا يشكلون نسبة 85% من سكان فلسطين في ذلك الوقت.

و لازال هذا المنهج مستمرا و أخر حلقاته صفقة القرن التي تمت بغطاء و مباركة من قبل أنظمة عربية ، لكن شموخ الشعب الفلسطيني و صمود أهلنا في القدس و غزة كفيل بكسر شوكة الصهاينة و حلفاءهم من المتصهيين العرب ليصدق عليهم قوله تعالى : ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله  فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون و الذين كفروا إلى جهنم يحشرون) (الأنفال : 36)

و في كتاب ” المكان المقدس ” يروي النائب السابق لرئيس بلدية القدس “ميرون بنفنستي” بكل تبجح و بتفصيل دقيق  كيف قامت سلطات الاحتلال بهدم البيوت العربية وكيف حصدوا المحاصيل وحرقوها وكيف قطعوا أشجار الزيتون ودمروا بساتين البرتقال وكيف جرت عملية إحلال وإسكان المهاجرين اليهود في منازل الفلسطينيين وكيف تمت عمليات توزيع الأراضي واقتسام الغنائم من خلال صراعات ومشاجرات بين المنظمات اليهودية حول من يأخذ الأفضل …

علينا أن نقرأ و نفهم و نعي جيدا مخططات الصهاينة في فلسطين، و من الخطأ الاعتقاد بأن الخطر و التهديد الصهيوني قاصر على أرض فلسطين بل يمتد إلى كل البلاد العربية و الإسلامية، و اتفاقيات التطبيع التي تم إبرامها مع المحتل الغاصب أكدت زيف الإدعاءات الصهيونية، بأن هذا الكيان حليف للعرب و داعم لهم كما تروج وسائل الإعلام العربية ، و التي أصبحت تتجاهل عن قصد الأخبار التي مصدرها أرض فلسطين المحتلة ، بل إن العدو الصهيوني أصبح يُجَمَّل وجهه القبيح بأساليب مختلفة من قبيل  اليهود ذوي الأصول العربية و تعزيز التعاون الإقتصادية و التكنولوجي و تضخيم الخطر الإيراني … و ليس هناك من خطر وجودي يتهدد العرب و المسلمين أكثر من الخطر الصهيوني فهو ورم خبيث استوطن جسد العالم العربي و لابديل عن إستئصاله …

وإذ ندين ممارسات الصهاينة في المسجد الأقصى وفي باحاته والممارسات المشينة في حي الشيخ جراح و في باقي أرض فلسطين المحتلة، فإننا نحمل مسؤولية  ما يحدث من تجاوزات صهيونية و خذلان عربي، لقادة فلسطين الذين أضاعوا القضية الفلسطينية، بصراعهم على المناصب  والمكاسب، فلايمكن لباقي حكام العالم العربي أن يكونوا “ملكيين أكثر من الملك”، ففي أوج القصف الصهيوني على غزة يخرج الرئيس الفلسطيني بتصريحات تبرر العدوان الصهيوني على غزة، و يستغل الموقف لتصفية الحسابات السياسية مع حركة حماس، الواقع أن الانقسام الفلسطيني أضر كثيرا بالقضية الفلسطينية، وأدخلها في نفق مسدود، فقادة فلسطين اعتقدوا أن بالفعل لهم دولة ذات سيادة وبرتوكول ، و صدق العالم ما صدقوه… ونسوا أنهم لازالوا تحث الاحتلال، و أن أوليتهم هي مقاومة المحتل لا حماية أمنه… ونحمل المسؤولية أيضا، لأنظمة الحكم الفاسد في العالم العربي، ففلسطين قضية كل عربي بل كل أحرار العالم، فمحاولة الحكومات العربية كسب ود إسرائيل بغرض التأثير في القرار الغربي، هو ضرب من الوهم فالله جل وعلى أخبرنا بحقيقة لا جدال فيها حيث قال تعالى: ( وَلَن تَرْضى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (البقرة الآية 120). بل ذهب بعض المفسرين للقول، حتى ولو اتبع العرب والمسلمين ملتهم فلن يرضوا عنهم، وهو ما حصل فعلا للقيادة الفلسطينية، التي تماهت مع الموقف الصهيوني فماهي نتائج التي تحققت منذ مؤتمر أوسلو 1994.

وندين بشدة موقف المغرب، الذي يحتضن و يترأس  “لجنة القدس”، والتي تتولى الدفاع عن إسلامية القدس و مقاومة تهويد هذه المدينة المقدسة، التي يوجد بها المسجد الأقصى أول القبلتين و ثالث الحرمين ومجموعة من المقدسات الإسلامية. وتشكل القدس محور الصراع بين اليهود و المسلمين منذ عام 1948، تاريخ قيام الكيان الصهيوني بأرض فلسطين. و قبل ذلك كانت محور حروب دامية بين المسلمين و الصليبين، انتهت باسترجاع المدينة لحوزة الإسلام، وقد شارك المغاربة بالدم و المال في تحرير المدينة المقدسة من أيدي الغزاة. فسيكولوجية المغاربة ظلت عبر التاريخ متمسكة بالقدس و بكل المقدسات الإسلامية، بل إن المغاربة كانوا يتخذون من مدينة القدس محجا و مستقرا لهم، وخير دليل على ذلك باب المغاربة وحي المغاربة الموجود إلى يومنا هذا  في القدس… و سنحاول توضيح ذلك في مقال موالي إن شاء الله تعالى … والله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

إعلامي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. جزاك الله كل خيرو جعله في ميزان حسناتك
    حارة المغاربة والتيكانت تقع في غرب المسجد الاقصى وفي ساحة البراق نسفتها قوات الاحتلال اثر هزيمة 67م مباشرة في 10 و11 حزيران 1967 وطردت اهلها الى مخيم اللاجئين في شعفاط جنوبي القدس ومنهم من بقي في المخيم للآن ومنهم من تم تهجيره الى المغرب وتونس باسلوب صهيوني خبيث وباتفاق مع حكومات تلك البلاد بان اعيدت لهم جنسياتهم المغربية والتونسية والتي لم يحملونها منذ عام 909م اي من زمان الحروب الصليبية وفتح القدس

  2. ان شعب المغرب الذي انجب هذا الكاتب لهو خير دليل على انه يقع في مصاف الشعوب ، شعب النخوة والبطولة والكرامة عرفناه حين شد الرحال الى فلسطين فشارك صلاح الدين الايوبي شرف تحرير فلسطين من ايدي الصليبيين وتحقق لهم بانتصارهم في معركة حطين 1187م . ولا اقصد في هذا القول الحكام فهؤلاء يسيرهم التليكوموند م الخارج لانهم يعملون لمصلحتهم في البقاء على كرسي الحكم ،الا ترى جميع انطمتنا العربية هي ادوات الكترونية يسيرها الغرب والصهاينة ؟ عظيم عظيم عظيم اخي الكاتب .

  3. شكرا على مقالك الرائع استاذ طارق والله يكثر من امثالك ويرحم والدينا ووالديك…

  4. مقال رائع جدا..ابدعت جدآ في هذا المقال…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here