خضير فليح الزيدي يكتب رواية عن الحاضر بواقعية

بغداد – حمدي العطار:

في الرواية الفائزة بجائزة الابداع العراقي 2017 وهي بعنوان ( فاليوم عشرة) يقدم لنا الروائي “خضير فليح الزيدي” نوعا من الواقعية التي تستند كليا على (الحاضر) ويجعل من مرحلة احتلال داعش للموصل محور لهذه السردية “انا سلام الوافي، أنا الأخ الأصغر للعقيد، بطل الانسحاب الأكبر.. جئت إلى بغداد في يوم 14 حزيران من عام 2014 …جئت بعد سقوط الموصل ومدن أخرى مباشرة على يد برابرة جدد”

هنا بلقطة ذكية يضخ لنا الروائي سيرة ذاتية للسارد ومهنته التي تجعله يأتي من كندا الى بغداد لتصوير فيلم وثائقي لوكالة جوو الفرنسية ، وبنفس السرعة في استعراض بسيط للشخصيات الاخرى التي ترتبط بالشخصية المحورية بالرواية وهم (العقيد غسان، ابو العوف،ايوب الابتر، أصيل يوسف، دكتور ناعم،جاد الله – الكندي من اصول صومالية،سليمة حنظل وابنتها سالي) وشخصيات اخرى تظهر وتختفي باسماء صريحة ومناصب حكومية وحزبية ودينية معروفة.

*مرحلة ما بعد الواقعية

السردية لا تخلو من الرمزية او ما يطلق عليه ما بعد الواقعية، والغرابة باسلوب الروائي هو يجعل المتلقي تختلط عليه الامور حتى لا يعرف ان كان هذا الوصف او الحوار والشخصيات تبقى بذاكرته من خلال الرواية ام هي شخصيات حقيقية كان قد تعرف عليها بالواقع فعلا! وهذا سر نجاح الروائي في خلق وشائج وروابط بين المتلقي وشخصيات تلك الرواية! في الجزء  الاول من الرواية يبدأ السارد في تمهيد لأحداث الرواية التي تتضمن حالة الناس في بغداد بعد هزيمة الجيش امام داعش،ويبدو لي السارد يتلاعب بالكلمات حتى تحس بأنها تقف بالمقلوب حينما يربط ما هو سائد وشعبي باسلوب ادبي فني تكون الاثارة هي التي تطغى على جسد الرواية والتي لا تخلو من الكوميديا السوداء والسخرية اللاذعة.

*الحياة نوم وحلم

اذا اعتمدنا على عنوان والمغزى الذي يرمي اليه (فاليوم عشرة) فالامر له علاقة بالهروب عن طريق النوم وما الحلم الا توازن بين القدرة على تحقيق الافضل . لنستمع الى شهادة جاد الله بحق سلام الوافي “ولد جيد” جار وصديق هواية، يتناول حبوب مهلوسة كثيرة. هو مغرم في تجريب الأنواع الجديدة، لا اعرف عنه المزيد بصراحة فأنا اقضي أغلب وقتي في النوم، عندما أصحو أعود مباشرة للنوم ، سلام كعصير الفاكهة الطبيعي جدا. لكن الوحشة قاتلة وعلاجها حسب علمي هو النوم الطويل… لا تنس صديقي …فالنوم الطويل هو الحل”

*كل شيء جماعي

يحاول السارد ان يصف بغداد في اكثر من موقع ، فعندما يتسلم الوافي رسالة من هاتف الصراف لتحديد نوع الفيلم الذي مطلوب تصويره يتكلم عن مصطلح الجماعي في العراق”التحرك العاجل لإنتاج الفيلم الوثائقي الموعود عن النزوح الجماعي للمدنيين من مدنهم.”كل شيء هنا جماعي\ ختان \ زواج \ نزوح \ موت \ مشي \ ركض\ رسوب” وبعد تأجيل المشروع يبدأ الوافي في التحرك على ما هو شخصي علاج شقيقه العقيد غسان المصدوم من هزيمة الجيش في الموصل، وكذلك التقرب من اصيل لأقناع بالالتحاق بأمه واخته ولم الشمل في كندا ، لكنه يعثر على ما يعتقد كنزا يعوض كل خسارته وخسارة شقيقه وهو (القرص ) الذي سرق من قبل اصيل من مكتب المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء والذي يحتوي على ارقام الحسابات الخارجية!

*الواقع المضطرب

استطاع الروائي “خضير فالح الزيدي” ان يخلق عالما واقعيا لكنه عالما  قمة في الاضطراب العسكري والسياسي، لم ينتظر الزيدي كثيرا – كما هو حال الكتاب- حتى يستوعب الصدمة ويتجنب ردة الفعل العنيفة، ولم يختار الصمت كما هو حال احدى شخصيات الرواية (العقيد غسان) الذي اطلق عليه توصيف “بطل الانسحاب” من الموصل، ولم يلجأ الى النوم الطويل مثل (جاد الله الصومالي ) بل كما يقال ضرب الحديد وهو ساخن لنرى كيف كان وضع الزيدي وهو يكتب هذه الرواية “كتبت هذه الرواية بظروف بيئية مطعونة في الخاصرة، وطقسية متطرفة جدا في لب العاصمة بغداد….  لم يكن لي سوى التخيل منفذا للعيش” اما اماكن التي اختارها الروائي فهي مدن (بغداد- لبنان- كندا)

*عالم لكنه مشوه

تمثل الرواية بعدا سياسيا غاضبا جسده الروائي في ادانة قاسية للهزيمة العسكرية التي حدثت من دون معركة لتسقط الموصل،واتعس الهزائم هي التي تقع نتيجة الهروب (الانسحاب) واذا كان الهروب والانسحاب من معركة الكويت له ما يبرره حول توازن القوى وحماقة خوض المغامرة فهي ليست لها تفسير عند الانسحاب من الموصل! ،حاول الروائي تصوير عالم ليس بعيدا عن الواقع لكنه اشبه بالخيال ،ففي الرواية كم هائل من التفاصيل السياسية والاجتماعية تصب في ادانة مرحلة تاريخية خرجت من الاحتلال ولم تتخلص من تبعاته المرعبة والفوضوية “إنه بصراحة مصاب بمتلازمة مرضية موطنها الأصلي هو العراق، تدعى _ متلازمة الهزيمة- هذه المتلازمة تتكرر علي يوميا هنا في العيادة وخاصة بعد خوض المعارك والهزائم الحربية” هذا تشخيص الطبيب لحالة العقيد غسان شقيق سلام الوافي!

*هيكلية السرد

بما ان الروائي كتب السردية معتمدا على منهج (هوية السرد) فقد جعل هيكلية السرد التي امتدت الى 245 صفحة وتضمن 25 فصلا اختار لكل فصل اسم لشخصية من شخصيات الرواية! السردية على الرغم من واقعيتها المؤلمة الا ان الزيدي احيانا ينفجر رومانسية حينما يكتب عن (الجنس) في بلد الجنس (لبنان) حيث يلجأ اليها لترتيب مصير القرص جيم ويبعث لأستقدام شقيقه غسان للعلاج النفسي ، وهنا في الرواية  التي  لا تحتوي  الكم المناسب من الجنس بالقدر التي تحتويه من الالم والذكريات الحزينة ، لنتابع وصف الروائي للممرضة اللبنانية لدى دكتور الامريكي لويس وقد اطلق عليها لقب (الملاك)”نطقت مرة أمامنا فتساقطت الدرر من فمها محسوبة حساب ألبخيل…صوتها موسيقى منومة من دون عقاقير التي يوصي بها صديقي ابو العوف” وفي نجاحه بأيصال اصيل الى امه وشقيقته في كندا وهما من الطائفة الصابئة التي تعرضت كباقي اقليات الى نوعا من الاضطهاد مما اضطرت  امه سليمة ان تسافر خارج العرق وتدعي بانها مسلمة في بلد عربي تعمل فيه واخذت تدرس مادة الاسلامية ومن ثم الهجرة الى كندا لنرى موقف لقاء الام مع ابنها لتكون نهاية للقراءة النقدية لهذه الرواية الرائعة”ماذا افعل في تلك الساعة ؟ لا اعرف وهي تحتضن اصيل بشدة، تمددا على الارض وراحا يبكيان، بعد ان تشابكا بقوة، حتى سالي أخذتها نوبة حادة من الصراخ الهستيري المخلوط بالبكاء على الطريقة العراقية”

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here