خالد فارس: هلاك وفناء العرب.. أحلام صفقة القرن… ماذا قال الدكتور جورج حبش فى تسعينات القرن العشرين؟ 

خالد فارس

ما الذى يمنع الحكام العرب, من الموافقة على صيغة جديدة, تتماشى مع ما يضمن استدامة المشروع الصهيونى, على حساب فلسطين والعرب؟ لا شىء يمنعهم, ولكن لا بد من طريقة ووسائل جديدة لذلك.   وهل صفقة القرن, صيغة سياسية جديدة, وليست مجرد مشروع سياسى للقضية الفلسطينية؟

سعت السلطة الفلسطينية, وبجديه منقطعة النظير, الى أن تُسوّق نفسها, فى المجال والحيز الأمريكى. وقدمت أوراق اعتمادها, بصيغة سياسية تضمن للأمريكان أنها جزء من النظام العربى الرسمى. ولكنها بعد أن أذابت المشروع الوطنى الفلسطينى, فى أسيد السياسة الأمريكية, بَقى السؤال, لماذا لم تأخذ أميركا ذلك على محمل الجد, بما يكفى, لانجاز استقلالية الكيان الفلسطينى, بل تجاهلتها بالكامل, خصوصا, منذ أن حكم ترامب؟

السبب لأن حركة التحرر الوطنى فتح, فى شكلها التاريخى الأوسلوى (سلطة حكم ذاتى), تريد أن يكون لها كيان سياسى مستقل وتبعى, فى آن, و تتناسى:

أولاً: ماذا يمكن لها أن تضيف تبعية فلسطين لأميركا, فى ظل فائض التبعية الممتد من البحر الى البحر. فالتبعية لأميركا سلعة مكدسة فى المستودعات, واستهلاكها بحاجة الى طلب متزايد عندما تعجز أميركا عن تحقيق ما تريد.

وثانياً: تبحث أميركا عن شركاء لديهم ندية سياسية, وحقيقية, وليس أتباع, لأن الأتباع لا يضيفون شىء “للحلم الأمريكى”, إنما البُنَى التاريخية القوية المتحالفة مع أميركا, التى تستمد قوتها ومشروعها من شعبها. أما القوى التبعية, فهى تحتقر شعبها, وأميركا تعلم أن هؤلاء ليس لديهم استقرار, أو قدرة على الوفاء بتعهداتهم, أو حتى المراهنة عليهم.

تغيرت استراتيجيات الدول الكبرى, ومازالت الدول العربية مصممة على اعادة انتاج نفسها فى سياق تاريخ نشأتها, دول تبعية وظيفية, ولا تريد تغيير من هويتها. وتستبد على شعبها اذا سعى فى مشروع سياسى جديد. هناك مطالب جديدة للقوى العالمية, تتمثل فى اعادة تمركز الثروات ووسائل انتاجها.

فالقوى الجديدة الصاعدة, المرشحة لأن يكون لها دور على المستوى العالمى, هى التى لديها قدرات فى السياسة والاقتصاد والثقافة, لكى تستطيع المساهمة أو أن تؤدى دورا فاعلا وعصرياًّ. أما الدول التبعية الوظيفية, لا تستطيع أن تكون شريك, لانها وُجِدت كأداة تنفيذية. تبحث أميركا عن شركاء حقيقيين, وتعتبر “اسرائيل” الشريك الناجع لها, ليس على مستوى الاقليم, بل على مستوى العالم.

رؤية الراحل الكبير الدكتور جورج حبش

أتذكر أننى اطلعت على هذه الفكرة فى تسعينات القرن العشرين, ولم نأخذها على محمل الجد بما يكفى. رؤية تُسَلّط الضوء على تحول تاريخى, إنتقلت فيه “اسرائيل” من الدولة الوظيفية الى شريك استراتيجى. تَغيرت “اسرائيل”, ولم تتغير الدول العربية, ومعها تقدم المشروع الصهيونى وأصبح أهم شريك استراتيجى لأميركا, أما السعودية والأردن والسلطة الفلسطينية فى رام الله, ودول أخرى, مصممة على أن تبقى, أهم تبعيات أميركا فى العالم, وأدواتها التنفيذية

كيف من الممكن, أن تعمل أميركا مع دول تبعية مقابل شريكها الاستراتيجى؟ قد تكون هناك اجابات بديهية. ولكن, لا يُقرأ التاريخ بالبديهيات, إنما بمقتضيات و تداعيات, وتناقضات هذا الواقع. فالتبعية ليست شىء ساكن بل هو متحرك, و الامعان فيها, أمر جلل وخطير.

دخلت الدول العربية فى مرحلة  التنافس فيما بينها على “مابعد بعد” التبعية. مرحلة جديدة, يدشنها التاريخ السياسى العربى. ماذا يمكن أن تنتج مرحلة التنافس بين دول تبعية, التى تسعى الى تسويق تبعيتها, وعرض بضاعتها الجديدة, حتى يتم الحاقها وضمها الى حضن السياسة الأمريكية الجديدة.

العنوان الأبرز يكمن فى “شظايا شعوب”. البضاعة الجديدة التى  تسوقها دول التبعية, هى اجراء تغييرات ديمغرافية كبرى, كمقدمة للتغيير السياسى. لم تتوقف العملية منذ ترحيل الشعب الفلسطينى, وبعده اللبنانى, والعراقى, الصومالى, والسورى, والليبى, واليمنى, الخ. تغييرات ديمغرافية كبرى, تفتح أبواب تاريخ سياسى جديد.

تستند الفكرة على الغاء فكرة الشعب والمجتمع فى المكان والزمان, وعلى ضرورة أن يتحول فيها الشعب الى مجموعات والأفضل الى أفراد منفصلين, يبحثون عن ملجأ للعيش والحياة. بلغة أخرى الى افراد مستقلين عن فكرة مجتمع أو دولة مجتمع. يبحثون كأفراد أحرار, عن بناء علاقات مباشرة مع مؤسسات وجهات, مهما تكن, تصبح هذه المؤسسات هى وسائل العيش والحياة بالنسبة لهم.

يسأل السورى, والعراقى, واليمنى, والفلسطينى من قبلهم جميعا, ماذا تعنى عودة المجتمع والوطن. ماذا تعنى العودة؟ تستحيل الاجابة على الفرد. وعندما لا يجد حاضنة لهذا السؤل, فى دول التبعية, لا يجد أمامه الا الانسلاخ عن عقال الوطن والمجتمع, والبحث عن مصيره فى غياهب العالم.  هذا على مستوى الانسان العادى.

أما على مستوى الدولة, تؤهل الدول العربية هذه العملية بعدة أشكال. فتقوم بتأهيل افراد مستقلين عن سلطة الدولة والمجتمع, لديهم القدرة على بناء علاقات, قانونية, مباشرة, مع مراكز نفوذ مالية وأمنية, تتجاوز الشعوب, ويصبح لهؤلاء, الأفراد, سلطة على الديمغرافيا.

اتفاقية الغاز بين الأردن والكيان الصهيونى, والتى تمت بين شركة يملكها أحد المتنفذين, هى عبارة عن اتفاقية تجسد ذلك. اعادة الحديث عن فك الارتباط مع الضفة الغربية والقدس, يأتى ضمن هذه المهمة وهذا السياق أيضا, لاطلاق مرحلة جديدة من التغيير الديمغرافى المنشود, الذى تقام عليه كيانات سياسية.

تتسابق الدول العربية على تدمير وهلاك الأمة, وأصبحت التبعية موضة قديمة. فمنذ أكثر من خمسمائة عام, والأمة العربية فى حالة تبعية مستدامة. لم تنتج أى مشروع حديث وحقيقي. وآلت الأمور الى فراغ مجتمعى أو غياب كلى للمجتمع, الى هلاك مستدام لعناصر نهوض للأمة والوطن.

كاتب عربى

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. اروع مقال قراته منذ شهور
    فتحية الى الكاتب المحترم لانه يغوص بعيدا في جذور المشكلة التي تعصف بمجتمعاتنا العربية وخلفيتها.

  2. “اتفاقية الغاز بين الأردن والكيان الصهيونى, والتى تمت بين شركة يملكها أحد المتنفذين” من هو لماذا التكتم عليه وعلى الي وقع الاتفاقية !!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here