خالد فارس: نُخَب الثورة المضادة فى لبنان.. حقيقة وحيدة وأخرى موازية لها.. لانريد ثورة بدل ثورة أو ثورة على حساب ثورة

خالد فارس

الحقيقة الوحيدة فى الحراك, فى لبنان, وفيما يتعلق بالداخل اللبنانى, هو معاناة الناس, ومطالبهم الاقتصادية والمعيشية, والأزمات التى أودت بالجيل المتعلم والمثقف والحرفيين والمهرة والمرأة والطفل الى عالم الضياع والبطالة والفقر, هذا هو الحقيقى. والحقيقى أيضاً, غياب نظام للتأمينات الصحية والاجتماعية, وخدمات صِحّيَة مُتّهَمَة بأنها تُرَحّلْ الانسان الى قَبْرِه, وهو حياً.

لماذا نقول ذلك؟, لسبب بسيط, أن هذه الحقيقة عابرة لتركيبة المجتمع فى لبنان (مجتمع فيه جماعة الطائفة, مركز المجتمع والدولة).

وغير هذه الحقيقة, شبه حقيقة, أو لاحقيقة, أما فى غالبها, فهى أكاذيب مُلَفّقَة من فاسدين, نتيجة الخصومة مع المقاومة, و بسبب المعركة بين الطوائف: والتى تُسمى الجماعات العضوية: بسبب أن المنتسبون لها, و اعضائها و الذين ينتمون لها, من علاقات متوارثة, يرتبط بها الانسان بسبب “فِطْرته التى فُطِر عليها”.  وتمثل هذه “الفطرة”, البناء التحتى “للوطنية”, تتمسك به النخب التى “تناصر” الحراك.

فى برنامج “منا وجر” للاعلامى اللبنانى جو معلوف, حلقة 10/12/2019, تقول الاعلامية والسياسيىة, وزيرة التنمية فى الحكومة المستقيلة, مى شدياق, أن لبنان العلمانى, مصلحة للجميع, ولكنها “تخشى منه”, والسبب, كما تقول, أن هناك من يطالب فيه, وله أجندة خفية, لذلك يجب الحذر من مشروع لبنان العلمانى!.

وبما تمثله مى شدياق, يشى بوجود تيار كبير وعريض, يَدّعى “الثورة”, على شرط أن تكون من طرازه هو, أن تكون لصالح جماعته العضوية, دون تفكيكها, فهى جماعة تصلح فى مرحلة اتفاق الطائف ومابعده, أما غيرها أو ليست متصالحة معه, لا تصلح لا قبل الطائف ولا بعده.

ماتقوله مى شدياق, يعبر عن تيار, يظهر على الاعلام, كأنه الحرية والديمقراطية, ولكنه, سرعان ما ينكشف, عند كل منعطف فى تاريخ لبنان, طائفى, وأن الطائفة بالنسبة له, هى الأصل والجوهر.

لن تقبل هذه النخب التخلى عن الطائفة ولا الجماعة الطائفية, كجماعة عضوية, يُنْسب اليها اللبنانى. لذلك, فان الحديث عن ثورة, فيه الطائفة أصل, يدخل فى حيز الايديولوجيا العمياء, المخادعة, بل هو الذى له أجندة خفية.

على شاشة تلفزيون الجديد, أثناء هطول الأمطار التى تسببت فى أضرار كبيرة للمحال التجارية فى طرابلس, وبعد سؤال أحدهم, عن الزعامات, وعن صورة سعد الحريرى المعلقة على أحد الجدران, قال “أنا مع الثورة ولكن سعد الحريرى تاج رأسنا”.

ديمقراطية التوافق الوهمى: (مصدر الفساد)

من وحى مجريات الاحداث, فان الاصلاح سيد الموقف, شَكْلِياً, وليس فى المضمون. لكن هل سيكون الاصلاح توافقى مع من أحدث خرابا فى لبنان؟ اذا كان من يريد “ثورة” اصلاح مزعومة, هم نُخب الطوائف, ذلك أنهم يريدون ثورة لا تضر بالطوائف, أو على الأقل طائفته. يكفى التذكير ببيت الشعر الذى يقول ” وَ هَل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسَدَ الدَّهرُ؟”.

فى لقاء ديما صادق مع تلفزيون الجديد, برنامج يوميات ثورة مع الاعلامى نيشان, بتاريخ 11/12/2019, تقول أن المواجهة مع حزب الله, “كلن يعنى كلن نصرالله واحد منن”, سببه يعود الى أن خطاب السيد حسن نصرالله, قد شكل مواجهة, مع مطالب الثوار فى الشارع, واشارت بطريقة ما, أن سمير جعجع باستقالة نوابه “تماهى” مع الشارع, ولم تستثنى سمير جعجع من “كلن يعنى كلن”, الا أن لغة “الجسد”, فى حالة سمير جعجع, كانت مختلفة.

بمعايير ديما صادق, أصبح سمير جعجع فى مرتبة أعلى من السيد حسن نصر الله, وحصد نقاط “ثورية”. و أصبحت الثورة تقاس بالتكتيكات,  من جماعات الطوائف, أما المواقف الواضحة والنزيهة بلا مواربة, حتى لو لم تكن على مزاج ديما صادق ومن معها, تصبح مواجهة مع الثوار.

تأويل ديما صادق لخطاب السيد حسن نصر الله, اصطياد فى الماء العكر, على الأقل لأن هذا التأويل مُجْتَزأ, وفى نفس الوقت هو التأويل ذاته, “لجماعة الطائفة” التى تقف ضد حزب الله. وثانياً, تتجاهل هذه النُخب لعبة التمايز بين الجماعات الطائفية, والتى تبحث عن مواقف “شعبوية”, لانها لا تملك مواقف ثورية أو حلول حقيقية لمعاناة الناس, و هى السبب الأول منذ انطلاقة عهد الحريرية السياسية من تسعينات القرن العشرين, وتمويلات أميركا وأوروبا, والبترودولار, الذى يريد تحويل لبنان الوطن الحر المستقل الى “كازينوا لبنان” أو وطن “للكازينوهات”, ويفصل بين لبنان الحر المستقل و بين العدالة الاجتماعة والعداء للمشروع الصهيونى.

رهنت هذه النخب, الحراك, الى من يؤدى أدواراً تكتيكية, ومن لديهم هامش مناورة أكبر, ليتحول الأمر الى علاقات ظرفية وبراغماتية. موقف بعض الأحزاب, “التكتيكى”, ينبع من حالة ظرفية, تناتجت من نتائج الانتخابات الأخيرة.

يريدون “الطائف” الذى لايغير من قواعد التوازنات السياسية. وعلى الرغم من أن تنفيذ “الطائف” جاء من خلال لعبة اقتصادية, اعتقد أصحابها أنها ستغير موازين القوى السياسية لصالحهم, الا هذه اللعبة الاقتصادية فشلت, وجائت النتائج السياسية معاكسة لرغبات رؤوس الأموال ذات المضمون العقارى (التمويلى الريعى). بمعنى أن عراب اتفاق الطائف هو الورقة الاقتصادية التمويلية, ولكنها فشلت وانقلبت على أصحابها.

لا مفر لنا, من البحث عن اجابة السؤال الذى نشأ منذ زمن, و قبل الربيع العربى, ولا اجابة عنه فى الشارع, حتى الساعة, عن أية ثورة نتحدث؟

هناك حقيقة موازية, لحقيقة معاناة الناس, تختلف من الناحية الجيو-سياسية, و هى المشروع الصهيونى. وأن لبنان السيد المستقل, الذى صنعته أيادى المقاومين, من المقاومة اللبنانية الى حزب الله, هو الذى صنع المعنى التاريخى ل “لبنان الحر السيد المستقل”, الذى لن ولايقبل به المشروع الصهيونى.

هل ستتعامل النخب مع هذا الشأن بذات القدر كما فى الشأن الداخلى, أو على الأقل باستراتيجية ذكية وواضحة.

أمام اللبنانى, والعربى, اما ثورة من الداخل على حكم الجماعات العِضْوُيّة وقِوامُها البُنْيَوى, المتمثل فى “رؤوس الأموال المرتبطة بالمُلْكِية العَقارية”, أو ثورة على المشروع الصهيونى و هزيمته. والأصح, استراتيجية وتجسير الثورتان فى ثورة واحدة. الا أن الواقع يقول أن ثورة على المشروع الصهيونى أقرب الى الواقع, لأن قوامها نضج وينضج بخطى حثيثة. على أمل أن تتسارع خطى الثورة الداخلية, وتلتحم مع ثورة على المشروع الصهيونى, ولا تتناقض معها.

لانريد ثورة بدل ثورة أو ثورة على حساب ثورة.

كاتب عربى

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here