خالد فارس: نصائح كيسنجر

خالد فارس

تَشَكّلَ بعد الحرب العالمية الثانية مجال تأثير سياسي اقتصادى ثقافى, أمريكى, بامتياز. على الرغم من انحسار هذا المجال على مدار عقود, الا أن هناك تغير نوعى فى زمان جائحة كورونا, عَبّرَ عنه هينرى كيسنجر فى Wall Street بتاريخ April 3, 2020: “ستغير الجائحة العالم للأبد. …إن قدرة تحمل أميركا كان مُحَصّناً بأهداف وطنية عظمى. الآن فى بلد منقسم, ….يتوجب على الحكومة أن تتخطى عوائق غير مسبوقة فى مقدارها ومجالها الكونى”.

ماهى أهم المجالات, أو العناوين الكبرى التى سيواجهها كيسنجر؟.

أولاً روسيا:

فى حديث دونالد ترامب الى  فوكس نيوز, بتاريخ 30/3/2020, قال عن روسيا: “أنا لا أقول إنهم أطفال أبرياء. أنا لا أقول إنهم مثاليون. لكنهم قاتلوا في الحرب العالمية الثانية. لقد فقدوا 50 مليون شخص. لقد كانوا شركائنا في الحرب العالمية الثانية”.

 يمثل هذا الموقف, بالنسبة لروسيا, وبوتين على وجه الخصوص, العدالة التاريخية, الضائعة. لدى الروس قناعة راسخة, بأنهم أنقذوا العالم من النازية, ودفعوا الثمن الأكبر, عندما انهارت أركان المجتمع ودولة الاتحاد السوفييتى, بسبب الحرب. ما جرى بعد الحرب العالمية الثانية فى الاتحاد السوفييتى, لا يتعدى سوى محاولات إنشاء دولة مدمرة بالكامل. وهناك اجماع فى روسيا, بأن الاتحاد السوفييتى مع نهاية الحرب لم يكن لديه نسيج اجتماعى ولا دولة, الأمر الذى جعل مهمة بناء دولة سوفييتية أمر خيالى وايديولوجى, وليس واقعى.

عندما أصبح الدولار العملة الأساسية, مقابل مشروع مارشال من أجل بناء أوروبا, الذى جَنَتْ منه الشركات الأمريكية ثروات طائلة, كان على الاتحاد السوفييتى أن يطالب بـأن تكون عملته الروبل, مناصفة مع الدولار, مقابل ما تكبده, أو أن يكون له نصيب من كعكة الاقتصاد العالمى. ولو جرت الأمور على هذا النحو, لتغير مجرى التاريخ.

والأمر الآخر الذى يقلق بوتين, هو محاولات توريط روسيا فى حروب مع التنظيمات الجهادية من جهة الجنوب أو مع الاسلام الايغورى من الصين. القضية الاستراتيجية بالنسبة لروسيا, تكمن فى انشاء واقع جيو-سياسى-اقتصادى يضمن لها مجال تأثير وحيز ينصف روسيا فى النظام الاقتصادى العالمى. ينظر بوتين الى ذلك, على أنه حق فى التعويض عن الثمن الذى دفعته روسيا لانقاذ العالم من النازية. هكذا يفهم كيسنجر, روسيا اليوم, ففى 2015 -wall street, بشأن التدخل الروسى  فى سوريا, قال “إن الصراع جيوسياسي وليس أيديولوجى”.

ثانياً: الصين

يقول الكاتب الأمريكى Graham Allison, بأن مايك بومبيو, عندما أعلن أن الولايات المتحدة ستزيد  استثماراتها فى منطقة المحيط الهادئ الهندي, كرد على مشروع طريق الحرير, لم يستطع الحصول على أكثر من 113 مليون دولار كاستثمارات جديدة, مقابل قدرة الصين على انفاق مبلغ 1.3 تريليون دولار لربط أوراسيا مع الصين.

درجة الاعتمادية بين الصين وأميركا كبيرة جدا, ولن يستطيع أى اقتصاد, المضى قدما دون الآخر, أما الخيار العسكرى فلن يتعدى سوى الردع. فى ظروف الوباء الحالية, استطاعت  الصين أن تسير بخطى ثابتة مثابرة, لم تتحق فى أميركا, الأمر الذى سيكون له ارتدادات على العالم و فى الداخل الأمريكى, على اليسار واليمين.  يضاف لذلك دور شركات  التكنولوجيا الصينية, التى أصبح تسعة منها من بين أكبر عشرين شركة فى العالم, ولعبت أدواراً غير مسبوقة فى ظروف الجائحة.

ثالثا: الوطن العربى:

هل سيتبنى كيسنجر استراتيجية بريطانيا, كما أفصح عنها مراسل الغارديان, فى عام 1915: “المصير الكلى لبريطانيا كقوة بَحْرِيّة  يعتمد على أن تصبح فلسطين دويلة حاجزة-Buffer State، مأهولة بتنافس وطني مكثف”. هل سيبحث كيسنجر عن “Buffer State”, جديدة, فى الوطن العربى, أم أنه سيبحث عن مذهب دينى حاجز-Buffer Sectarian, بمثابة كتلة حاجزة؟

في مقال هنرى كيسنجر,Wall Street  بتاريخ 16 /10/2015، يقول عن سوريا “ثورة السنة على العلويين في سوريا (الفرع الشيعى)”.

يطمح كيسنجر الى بلورة مفهوم سنى-سياسى, له دور محورى, يقول “أن سُنّةْ الشرق الأوسط (وهو يقصد غالبية الشرق الأوسط) يواجهون خطرا من أربعة مصادر: الحكم الشيعى الايرانى ودورها الإمبريإلى على “الخليج الفارسى”، حركات راديكالية أيديولوجية ودينية  تسعى للإطاحة بالبنية السياسية، صراع في داخل كل دولة بين مجموعات إثنية ودينية تشكل بعد الحرب العالمية الأولى تعيش الآن مرحلة إنهيار دولها، ضغوط محلية من جراء سياسات تدميرية اقتصادية ومجتمعية.

ويقترح بشأن سوريا “منظومة فيدرالية بين العلويين والسنة…..من أجل تخفيف مخاطر الإبادة العرقية”.

ماهو دور الولايات المتحدة؟

يقول: “تطبيق نظام عسكرى كضمان للدول السنية التقليدية في المنطقة”، ويقصد بذلك الأردن، مصر، و الخليج العربي, تحديدا, وقد يفتح الباب للحركات الاسلامية على شرط احتواء فكرة الاسلام الجهادى أو التكفيرى. ويضيف أن الدور الايرانى مهم جدا وأن الحوار مع إيران يجب أن “يعيد دورها كدولة ويستفيليا- Westphalia في حدوها الجغرافية”. وحسب رأينا هذا هو الهدف الحقيقى من الحصار.

كاتب عربى.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. الأصدقاء القراء:
    عنما نتحدث عن كيسنجر, صحيح أن هناك اقتباسات مما قاله, وهذا هو هدف المقالة (من فمه تدينه), ولكن المقصودبشكل حقيقيى, بالمفهوم الواسع, أن هذا الرجل يمثل تيار, يعنى أن هناك تيار فى اميركا يطلق عليه تيار السياسة الواقعية (Real Politic) يحمل هذه المفاهيم, ويحاول تسويقها وبيعها, ويتحالف مع لوبى صهيونى وأصحاب شركات. هناك أتباع كيسنجر, ومدرسة له, تفكر بهذه الطريقة.
    كيسنجر مازال يسافر ويحضر ومؤتمرات ويلقى ندوات, صحيح أنه هرم, ولكن عقله مازال يعمل.
    هو أحد أركان تأسيس النظام العالمى بعد الحرب العالمية الثانية, ويعتقد الكثير أن لديه مفتاح الحل فى ظل تعقد الأوضاع عالميا.
    هناك أفكار أخرى, عرضناها فى مقالات سابقة, من مفكرين آخرين.
    ماهى “الخلطة” السياسية التى ستنجح يعتمد علينا وليس عليهم. وشكرا لكم جميعا على مروركم ووآرائكم القيمة.

  2. ومن ذا الذي سيقود السنة في ذلك طالما أنهم صعاليك أمريكا وبريطانيا والصهيونية.

  3. كيسينجر من مواليد سنة ١٩٢٣ اي ان عمره الآن ٩٧ عاماً لا ادري لماذا هناك الكثير من الكتاب يصوغون نظرياتهم التي هي عبارة عن تكهنات تعتمد اولاً و اخيراً على نظرية المؤامرة بالاعتماد على إقتباسات من أقوال او كتابات هنري كيسينجر. لا أتوقع ان يكون رجل في هذا السن بقدرات ذهنية و في مركز صنع القرار الامريكي و على اغلب الظن ان كيسينجر لا يعلم ماذا تناول اليوم من طعام.

  4. هاذا الساحر “هنري كيسنجر “الضاهر الوحيد من حكماء صهيون الذين يحكمون العالم من وراء الستار ويطلق عليهم مصطلح اليد الخفية . وما يقوله هنا قد مهم ولكن قد تضليلا . نحتاج دراسة عميقة لأقواله هاذه قبل التعليق عليه.
    شكرا للكاتب

  5. كم سنه اخرى سيعيش هذا الديناصور كيسنجر.. ؟ 300 سنه اخرى؟؟ والله لم يعطي احد اهميه لهولاء غير ضعف وتشتت وتناحر وتخلف العرب .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here