خالد فارس: “متى سيوقع العرب وثيقة الاستسلام التاريخية؟”

خالد فارس

إما الاستسلام بواسطة حروب صغيرة, أو حرب كبرى قادمة. من يقرأ خارطة العمليات العسكرية فى المنطقة, فى سوريا, غزة, لبنان, ومؤخرا بعض الأعمال العدوانية فى ايران, يستدرك أن هناك استراتجية حروب صغيرة, عبارة عن ضربات نوعية, تحقق هدفين: الأول عدم تمكين أى طرف من النهوض بتموضعات جديدة فنية وعسكرية وسياسية, الثانى: تعميق آثار الأزمة وتسارعها.

ليست جديدة هذه الحروب الصغيرة, حيث قامت “اسرائيل” فى السابق, بأعمال عدائية محدودة, ضد المقاومة الفلسطينية فى لبنان, وفى أمكان أخرى. الجديد هو أن لدى “اسرائيل” أمكانيات أمنية وسيبرانية ولوجيستية, جديدة, يعززها الوجود الأمريكى فى الخليج وفى سوريا وفى البحر المتوسط. نلاحظ أن اسرائيل تخوض حروب نوعية, محدودة الحجم, ولكنها مدروسة وفاعلة, وموجعة سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

لا يريد العقل الاسرائيلى أن يترك البيت يتداعى من الداخل, بسبب الحصار الأمريكى فقط. بل يريد أن يتأكد أنه سيتداعى, بسببه هو, الكيان الصهيونى. تستخدم أميركا الحصار للضغط, ثم المفاوضات, أما “اسرائيل” فهى تستخدم الحصار وكل شىء لهزيمة وتحطيم الآخر, والمفاوضات بالنسبة لاسرائيل هى عبارة عن وثيقة استسلام.

المعركة الدائرة لها عنوان واضح, المشروع الاسرائيلى المتطرف الكولونيالى, الذى يبحث عن هزيمة تاريخية للمنطقة, تنتهى فى وثيقة استسلام كبرى وتاريخية. كامب ديفيد وأسلو ووادى عربة, هى وثائق استسلام, ولكنها لم تشفى غليل الكيان الصهيونى, فالوثيقة المنشودة, هى الركوع الكامل للمشروع الاسرائيلى, والخضوع له دون أية مطالبات شكلية أو تاريخية تزعج العقل الكولونيالى الصهيونى.

انتشار طائرات الدرون الاسرائيلية فى سماء لبنان, وعمل منظومات التجسس على الأرض, يعنى أن هناك عمليات أمنية وسيبرانية ضد لبنان وضد المقاومة, على مدار الساعة. وماجرى فى مرفأ بيروت, العنبر رقم 12, وما نتج عنه من انفجار هائل, بسبب اشتعال نيترات الامونيا, يشى أن “اسرائيل” فى قلب الحدث اذا لم تكن الفاعل المباشر.

ففى 4/8/2020,  نشر الموقع الرسمى التابع للقوات اللبنانية: خبراً يقول “بالفيديو: استهداف اسلحة لحزب الله فى مرفأ بيروت”. علاقة هذا التنظيم بالكيان الصهيونى, معروفة, ولها تاريخ عريق, واذا كان الخبر “زلة خبر” فهو حتما لا يخرج عن كونه حربا نفسية ضد الشعب اللبنانى المقاوم.

على تلفزيون الجديد, بتاريخ  5/8/2020, أثار الاعلامى رياض قبيسى, ملف العنبر 12 فى مرفأ بيروت. وطرح العديد من الاسئلة من وحى المراسلات بين الجمارك وقاضى القضايا المستعجلة. وأظهر أن هذه المراسلات تثير الريبة, من حيث أنها تتعمد نهجاً, فى الشكل, قانونى, ولكنه يهدف الى اخفاء نهج قانونى آخر, هو الأصح والأنجع. ونسأل من جانبنا: وماعلاقة “المافيات” التى كانت تسوق شحنة نيترات الأمونيا, فى محاولة لبيعها. وهل حان الوقت للتخلص منها لأن وجودها سيكشف ملفات فساد أخرى وتواطىء من نوع ما, أم أن استخدامها فى حروب صغيرة نوعية مدمرة حان وقته لخدمة المشروع الصهيونى وعملائه فى لبنان.

و السؤال الكبير, اذا كانت هذه الشحنة المخزنة, بهذه الدرجة من الخطورة, ويعلم بها القاصى والدانى, من أحزاب ورئاسة وزراء وأمن دولة وجيش ومخابرات, لماذا لم تتحول الى قضية رأى عام مثل قضية النفايات والدجاج الفاسد وقضايا الفساد. لماذا لم يطرحهاالموقع الرسمي التابع للقوات اللبنانية  أو غيره الذين يعملون ليل نهار على مهاجمة المقاومة؟ لماذا لم تتم محاولة احراج المقاومة بوجود هذه الشحنة أذا كان للمقاومة صلة بها. أم أن السكوت عن المافيات أصبح عملاً وطنيا.؟!!

نحن نقرأ الحدث من المشاهدات الاعلامية, ونربطها بطبيعة المشروع الصهيونى, الذى لدينا خبرة طويلة فى نواياه, وجوهر تركيبته. المشاريع المصطنعة, مثل المشروع الاسرائيلى, يبحث عن تحويل المنطقة برمتها الى مشاريع مصطنعة, حتى تصبح المنطقة كلها متماثلة, مجرد ديمغرافيا فى هيئة مجاميع سكانية, تتحول الى مشروع سياسى. على شرط أن تكون هذه المشاريع السياسية نقيض الامة والقومية والوطنية, بل هى تقوم على أساس “اختراع شعب وقضية له” وفصلها عن السياق التاريخى الكبير فى الجغرافيا العربية.

ما يجرى فى سوريا مع الأكراد, وغيرهم هى تجارب لاختراع شعوب منفصلة سياسيا عن السياقى التاريخى. وفى سوريا ايضا, يدور الحديث بين حين وآخر عن كونفدراليات سنية وعلوية وتركمانية. حصار غزة  ووضع سكان غزة أمام خيار وحيد إما الاستسلام أو أن “يخترعوا لهم هوية منفصلة” عن فلسطين والعروبة. فى لبنان هناك محاولات, “خجولة” أحياناً, لاستعادة الفيدراليات على أسس دينية, التى طالب بها حزب الكتائب سابقا. وليست الأمور بعيدة عن مايجرى فى سيناء, وليبيا, ولانستبعد “فيلم” جديد عنوانه اشعال حروب صغيرة فى المغرب العربى.

نتمنى على النخب التى تحمل الهم الوطنى والقومى, أن تحرص كل الحرص الى عدم الانجرار الى التنظيرات الجديدة, التى يحاول البعض اقناع الناس بأن طبيعة الكيان الصهيونى تتغير, أو تغيرت. فهذا الكيان مصمم على اختراع تاريخ للجغرافيا, واعادة تعريف شعوب المنطقة, على أسس تخدم مشروعه الكولونيالى. لانستبعد اطلاق محاولات لتسمية مجاميع سكانية فى الجغرافيا العربية, على أنها الشعب الفلانى, الجديد!.

كاتب عربي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. لعمري انك كاتب مجيد بضم الميم وفتحها ليت قومي يقراون مشكلتنا ان الخيانة والانتداب اصبح رايا يطالبوننا باحترامه مع انه خيانة عظمى تستحق اقسى العقوبات انسانيا واخلاقيا وقانونيا سيدي لقد نزلت رسالة تطالب بعودة الانتداب الفرنسي الى لبنان وقال البعض انها نفثة غضب اما انا فارى انها خيانة عظمى موصوفة قانونيا وتستحق اقصى العقوبات التي يضعها القانون اللبناني للخيانة العظمى هي اخطر من ماساة التفجير واشد لو كانوا يعقلون فانظر ايها السيد كيف صار الخائنون لاوطانهم مواطنين سلميين ونا شطين وغاضبين يجب مراعاة مشاعرهم الا تعسا لهذا الزمان الردئ المقلوب وتعسا لهؤلاء المواطنين الخائنين اللحديين لكن يوم الحساب قريب فصمت الحليم وراءه عقاب اليم وتحية من عراق المقاومة لكل ام فلسطينية قادمون يا امي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here