خالد فارس: ما بعد العولمة.. حروب من نوع جديد يعيد فيها التاريخ الامريكى نفسه؟

خالد فارس

اذا أرادت أميركا شن حرب على ايران أو فى أى مكان فى العالم, سوف تضطر الى اجراء حسابات اقتصادية معقدة. الحرب بالنسبة لاميركا, والغرب عموما, سيحددها الجواب على سؤال أساس: هل ستتوسع قاعدة رأس المال الامريكى لكى تتجاوز أو تستوعب مديونية أميركا التى تفوق 23 تريليون دولار, وتحقق أحلام اليمين الشعبوى الأميركى: “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (Make America Great Again) , شعار حملة ترامب الانتخابية.

وصل الدين الفيدرالى الأمريكى فى عام 1946 الى 104% من ناتج الدخل القومى, ثم انخفض, ثم عاود الارتفاع الى أن وصل فى نهاية عام 2018 الى 105% من ناتج الدخل القومى.  ومن المتوقع أن يبقى حول هذا المعدل مع نهاية عام 2019, 2020, 2021. https://www.usgovernmentspending.com/defense_spending.  هل أن عام 1946 بالنسبة لأميركا هو ذاته عام 2018, ومابعدها؟ هل سيعيد التاريخ الامريكى نفسه؟

أما الأسئلة الداعمة, التابعة للسؤال الرئيس: هل ستتركز التجارة فى المدن الامريكية أولاً؟ هل سيكون هناك مزيد من الاستثمار فى الاقتصاد الاميركى, مزيد من الطلب على السلع الأميركية, سيطرة أكثر على مصادر الطاقة من النفط والغاز والمعادن؟

أما السؤال الأكثر أهمية فى رأينا, والذى يسيطر على الممارسات اليومية, والسياسات المباشرة, المتلفزة, يتعلق بمسألة أجور العمل, منها ضمان أجور مناسبة للعامل الغربى أو الأمريكى, مقابل أجور منخفضة من خلال عمل مجانى Free labor.

تقودنا المعلومات المتواترة عن تاريخ العبودية, أنه قد تم بَيْع ما بين 11 الى 12 مليون من “العبيد” الافارقة الى أميركا فيما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر.

وتاريخ العبودية هذا, المُتأصل فى “العلمانية” الليبرالية, الامريكية والغربية عموماً, و الذى يتغافل عنه بعض “العلمانيون العرب”, لم تنتهى حوائجه أو ضروراته التاريخية, سواء فى أميركا أو غيرها, الا أن أشكاله تغيرت. العبودية فى احد أشكالها هى العمل بلا مقابل, العمل المجانى, أو مقابل قوت اليوم, مُلكية بلا مقابل, أو بمقابل زهيد تتعاظم فيه الأرباح.

لماذا العمل المجانى أصبح مطلوباً؟ من بين العديد من الأسباب, تعتقد أميركا أن تطور الصين جاء نتيجة الاستثمارات التى تتكثف فيها الأيدى العاملة, ولأن العمالة فى الصين تتبع الحكومة, فهى  تعتبر رخيصة جداً مقابل العمالة فى الغرب. مما حدا فى الشركات الأمريكية والغربية الى الاستثمار فى الصين, وتحقيق أرباح كبيرة, تحتفظ بها هذه الشركات خارج أميركا. إن الفارق بين اجور العامل الغربى وأجور العامل الصينى بالنسبة للشركات الامريكية والغربية, هو عمل مجانى  Free Labor.

تتوسع القدرات الاستيعابية للبضائع فى الاقتصاديات الناشئة, فى الصين, عام 2016, على سبيل المثال, صانعى السيارات حققوا مبيعات فى الصين نسبة 40% اكثر من تلك التى تحققت فى أوروبا. ومن المتوقع فى عام 2025, أن يستهلك دول الاقتصاد الناشىء, ثلثى الصناعات العالمية وفى عام 2030 سوف تستهلك ما يقارب 50% من كافة البضائع (فورين أفيرز: Susan Lund, James Manyika, and Michael Spence).

ان حجم سوق الاقتصادية الناشئة يتعاظم, الصين الهند البرازيل, الى جانب المكسيك وتركيا (نقطة الضعف هو الاعتمادية الكبيرة على أميركا), وهناك حديث عن جنوب أفريقيا. أما بالنسبة لروسيا, فهى تنتقل من كونها اقتصاد ناشىء الى امكانيات صناعية كبيرة منها الحربية, على غرار تجربة الاتحاد السوفييتى, ولكن من منطلقات قومية.

تسعى أميركا ترامب, الى اعادة بناء هذه المعادلات, التى يحتج عليها ترامب على أنها نتيجة العولمة. يطمح ترامب الى بناء مجتمع أو مفهوم دولة قومية, يمكن أن نسميها دولة مابعد العولمة. والذى يستند فيه الى اعادة تعريف أو تقسيم عالمى للقوميات, على أساس الحمائية الاحتكارية.

فرنسا بريطانيا وأميركا, أمم استطاعت ان تُحدد سيادتها القومية على أساس الخارطة التنافسية والاحتكارية. وعلى هذا الأساس أصبحت الامة الفرنسية أو البريطانية أو الامريكية, امم تنافسية, وجائت الدولة الليبرالية, أو مفهوم الدولة الحديثة, لترسيخ مفهوم الأمة التنافسية.

يقول المؤرخ البريطانى ايريك هوبزباوم: “…تجارتى القطن والرقيق كانتا تسيران جنباً الى جنب….. التجارة الكولنيالية الاستعمارية هى التى ولدت صناعة القطن….. الثورة الصناعية من حيث حجم المبيعات بأنها انتصار لسوق التصدير على السوق المحلية….. الصناعة البريطانية بنت احتكارها فى هذه المناطق على أساس الحرب, وعلى ثورات الشعوب الأخرى, وعلى حكمها الامبراطورى الاستعمارى…. جردت الهند من التصنيع على نحو منهجى منظم حتى أصبحت بدورها سوقاً لصناعات لانكشير القطنية”.

منذ أزمة 2008, انخفضت صادرات السلع من العالم الغربى, ومن المستبعد عودة هذه الصادرات الى مستوياتها السابقة, من بين الأسباب, هو استحواذ الصين على حيز كبير من السوق العالمى.

 ” أمريكا عظيمة مرة أخرى”, تعنى استعادة أميركا التنافسية الاحتكارية, أميركا مابعد العولمة, وان تحقيق ذلك, يتطلب, اعادة احتكار قواعد رأس المال العالمى, وتجريد دول عديدة من التكنولوجيا, مثل الحرب الامريكية على صناعة التكنولوجيا الصينية, واثارة ثورات شعوب تتحكم بها, من الداخل, أو شن حروب تكتيكية”. لم يكن هناك رئيس أميركى أكثر وضوحا, وفجاجة من ترامب, الذى أعطى تعريفا لأمريكا أولاً أو أميركا الجديدة:

فى أن يكون ميزانها التجارى بلا عجز, يعنى ذلك, أن الاقتصاد المزدهر ليس نتيجة أسباب اقتصادية و علمية, بل هو افتراض مسبق.

استراتيجة ترامب, هو أن يحقق كل ذلك, بدون حروب, لان حسابات الحرب معقدة, وفيها من الخسائر المتوقعة على أميركا, ما يفوق قدرتها على تحملها. الا أن اليمين الأمريكى, ومعه اليمين الصهيونى, ومنظومة عربية, تدعم باتجاه حرب حاسمة خاطفة, تؤدى الى شلل مفاجىء لايران أو غيرها.

كاتب عربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here