خالد فارس: مؤتمر وارسو وتلفيق تاريخ الصراع.. ايران المنتصرة والحلف العربى المهزوم.. القضية المركزية للعرب ليست فلسطين.. ميراث الامبراطورية العثمانية والصراع على الممالك الاسلامية

خالد فارس

لامعنى لأن يُعيد التاريخ نفسه, الا اذا كان من يتحكم فى التاريخ, ليس بوسعه أو لايريد أن تقرر الشعوب مصيرها وقضاياها المركزية.

ما هى القواسم المشتركة بين الدول التى حضرت؟

القواسم المشتركة بين الدول العربية التى حضرت: أولاً: رفض قطعى لفكرة القومية العربية أو الأمة العربية (سواء المشروع التاريخى, أو أى مفهوم حديث للأمة العربية), ثانياً: هذه الدول لا تؤمن ولاتريد أيضاً أوطان ديمقراطية على أساس السيادة والاستقلال, ثالثا: النظام الاقتصادى رأسمالى, يتبع الرأسمال العالمى, “ليبرالى على طريقة الممالك”, ثالثاً: أن الأديان, عبارة عن نظرية فى الامام الأكبر أو ولى الأمر أو “الحاكم طويل العمر الأبدى”, ومنها يتقرر نظام الحكم و حوار أديان بين الاسلام واليهودية والمسيحية والأقليات الدينية الأخرى.

ما علاقة “اسرائيل” بهذه القواسم المشتركة؟

أمام “اسرائيل” وأميركا, عالم عربى يمتد-يتمدد الى عمق الشرق الأوسط, يحتدم فيه صراع تاريخى  بين الصهيونية وقِوى التحرر الوطنى والقومى, راهنيته متجددة. أصبحت ايران اليوم أحد أهم الدول التى تساهم فى تطوير الحضارة العالمية من بوابة الأبحاث والعلوم. يضاف الى ذلك, انتصار المقاومة فى الجنوب اللبنانى وصمود مقاومة فى غزة, جعل من هذه المقاومة برميل بارود قد ينفجر فى أى لحظة, ليس لدى “اسرائيل” وأميركا, ما يكفى من اليقين لضمان الانتصار فى أى معركة مقبلة.

فى المقابل فان حلفاء “اسرائيل”, كامب ديفيد ووادى عربة وأوسلو والبترودولار الخليجى, بلا مشروع حقيقى. ليس لديهم سوى مشاريع مجتزأة, تتعلق بالأنظمة الحاكمة (مستقبل الحاكم أو الحزب ونظامه), فهى ليست مشاريع للشعوب. لا يوجد انجاز تاريخى يُذكر لدول الخليج فى أى مشروع نهضة عربى, سوى تمويلات مالية, منها ما يمارس الفساد السياسى والأخلاقى, ومنها أحياناً يلعب دورا فى دعم المقاومة, والقليل منها آل الى منافع اجتماعية حقيقية, لا تتعدى كونها فزعات تمويلية, تنبع من الدور الوظيفى الذى تتيحه فوائض رؤوس الأموال.

يضاف الى ذلك, تعقيدات نشأت من الوضع فى اليمن, العراق, سوريا, ليبيا, يؤكد على العجز عن تطبيق أية مشاريع حلول. ففى الوقت الذى تتقدم فيها ايران لاعبا كبيرا فى الوطن العربى والقضية الفلسطينية ولبنان وسوريا واليمن وغيرها,  وقضايا فى الشرق الأوسط, نجد أن محور “اسرائيل” يفشل, وهو بالمناسبة, فاشل منذ تأسيسه, بمقياس أنه لم يقدم ولم ينجز أى مشروع نهضوى حضارى, كما لايوجد لهذا المحور أية مساهمات تُذْكَر فى الحضارة العالمية.

يضاف, أولاً, أن أعضاء فى مجالس النواب البريطانى والأمريكى وحتى الأوروبى, لم يعد بامكانهم دعم حلفائهم من البترودولار كما كان فى الماضى فى ظل: اتهامات بالقتل (خاشقجى مثلاً), اطفال اليمن, غسيل أموال (وضعت أوروبا السعودية على قائمة غسيل الأموال وتمويل الارهاب), فشل فى التقدم العلمى, فشل فى التقدم الديمقراطى, مؤتمرات بهلوانية عن التسامح الدينى.

وثانيا, تراجع مستوى الاقتصاد الأمريكى (ليس أقلها مديونية تتجاوز 22 تريليون دولار), الذى أصبح بحاجة الى عملية انقاذ تاريخية, وليس مجرد صفقة من هنا أو هناك.

حلفاء “اسرائيل” بحاجة الى هندسة سياسية تُمَكِّنُهم من مواجهة تفوق ايران, وتمنحهم مشروع سياسى يغطى على الفشل الذى يعانى منه. تعلم أميركا و”اسرائيل” أن هذا النوع من المشاريع,  سوف يقود الى احتدام الصراعات الداخلية, حتى تتطور من داخل المنطقة توازنات قِوى يعيد انتاج الماضى. النتيجة المرجوة من هذه الخلطة, هو اعادة تشكيل خرائط فى الوطن العربى, تعيد صياغة المعادلات الجيو-سياسية.

القضية المركزية للعرب:

يدرك الأردن على سبيل المثال, بأن هناك لعبة صهيونية أمريكية, مفادها اعادة الأردن الى كونه امتداد لفلسطين التاريخية, كما جاء فى صك الانتداب البريطانى, وعلى هذا الأساس سيتحدد مصير القضية الفلسطينية والأردن.  من جانب آخر, تسعى “اسرائيل” وأميركا الى أن تجعل من هزيمة ايران هى القضية المركزية للشرق الأوسط, وليست القضية الفلسطينية.

يروق هذا الشىء للعديد من الدول الخليجية والعربية, و يجد له صدى فى الاسلام السياسى الذى يرى فى الصراع ضد ايران غائية دينية, تماماً, كما حدث مع الاخوان الملسمين عندما تحالفوا مع السعودية حتى تسعينات القرن العشرين, فأصبحت القضية المركزية للعرب ليس فلسطين, بل المعركة ضد العلمانية واليسار والشيوعية. يحضرنى دعوة القرضاوى لأميركا, عندما استنجد وناشد “رجولة أميركا” للتدخل فى سوريا, كما فعلت فى ليبيا!!!!, هل يناشد رجولة أميركا الاسرائيلية؟

نسمع اليوم عن صياغة نظرية مفادها أن الاستبداد هو الداء فى الوطن العربى, وأن القضية المركزية هى الديمقراطية واسقاط الاستبداد. ليست بعيدة هذه النظرية, كما هى مطروحة, عن سياقات تغيير الصراع ودفته ووجهته فى الوطن العربى.

نعيش حالة قفز “ضفدعى” فى القضايا المركزية, على قاعدة اما هذا أو ذلك, وخلق خصومة معقدة مع القديم, أو بالأحرى مع كل تحرر وطنى واستقلال وسيادة. ننتقل اليوم كما فى الأمس: الاخوان المسلمين: 1) القضية المركزية فى الصراع ضد العلمانية واليسار, 2) “اسرائيل” وكتلة عربية: القضية المركزية فى الصراع ضد ايران, 3) الليبرالوين العرب: القضية المركزية فى الصراع ضد الاستبداد. يبدوا أننا ضفادع سياسية.

هل تسعى أميركا ومعها “اسرائيل” الى اعادة انتاج سيناريو اسقاط الامبراطورية العثمانية, حتى ينتج عنه جيو-سياسى ونظام حماية جديد للمالك الاسلامية فى الخليج وغيرها. هل الجيو-سياسى الجديد ينطلق من اسقاط الجمهورية الاسلامية؟

سوف أشير الى تاريخ ماقبل سايكس-بيكو (نهاية التاسع عشر), والصراع بين روسيا الامبراطورية وبريطانيا الملكية, حيث اصطلح على مايسمى اللعبة الكبرى.

اعتبر النائب المستقبلى للملك لشؤون الهند جورج كورزون أن اللعبة الكبرى بمثابة قطع شطرنج فى مواجهة الغريم الأول للبريطانيين, وهى روسيا الاستحواذية كما أسمتها ملكة بريطانيا, التى تمثل تهديد خطير على مستقبل بريطانيا. وبناءً على ذلك تم تحديد خطوط هذه اللعبة “تركمانستان, أفغانستان, إقليم بحر قزوين, وبلاد فارس”. عبرت الملكة فيكتوريا بطريقة أكثر وضوحاً “أنها قضية سيادة روسيا أو بريطانيا على العالم”.

هل أقنعت “اسرائيل” أميركا والممالك الاسلامية النفطية, بأنها تترنح أمام الهجوم الروسى والتفوق الايرانى, فهى بحاجة الى هندسة سياسية على أساس “أنها قضية سيادة “اسرائيل” واميركا والممالك النفطية أو ايران-روسيا-الصين على العالم”.

 

كاتب عربي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. تحليل منطقي وعقلاني..العقليه المتحجره للسعوديين وارتمائهم في احضان امريكا والصهيونيه منذ تأسيس الكيان الصهيوني..وتصديرهم الارهاب والموت لكل الدول المجاوره التي تختلف عنها ايديولجيا اومذهبيا…اوحضاريا…لان السعوديه ودويلات الخليج ليس لها حضاره سوى رسالة النبي محمد التي انطلقت من الجزيره العربيه الى العالم..لهذا تحس هذه الدول الخليجيه بنقص كبير وغيره شديده من الدول المجاوره..فتحاول اسقاطها بالتعاون مع اي كان حتى ولوكان الشيطان..المتمثل بامريكا واسرائيل…سينضب البترول وعندئذ ستتلاشى دولهم التي ستتوزع الى مجموعة دويلات صغيره بمذاهب مختلفه ..وعندئذ لن تكون هناك امريكا لتدافع عنهم..بعد ان حلبوهم وضحكوا عليهم لانهم حكام لم يعرفوا كيف الحفاظ على دولهم وليتذكروا غرناطه والحمراء وبقية المدن الاسلاميه في اسبانيا التي صارت من الماضي بسبب جهل وحماقة حكامهم ..ومجونهم وطغيانهم..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here