خالد فارس: كيف نصف تجربة الثورة الفلسطينية؟ مشروع سياسى مُوَحّدْ.. أم تشظى المشروع؟

خالد فارس

مالذى جعل القضية الفلسطينية أجزاء مبعثرة, جزر متفرقة, و شظايا سياسية؟. وعد بلفور, قرار الامم المتحدة القاضى بالاعتراف بدولة “اسرائيل”, قرار الضم الذى نفذته المملكة الأردنية الهاشمية, الادارة المصرية لقطاع غزة, وقبلها التقسميات الادارية العثمانية, جعل الجغرافيا السياسية فى فلسطين, بؤر لمشاريع سياسية متنافسة؟.

مسألة عودة اللاجئين على سبيل المثال, التى أصبحت قضية ديمغرافية, حصراً, أى قضية سكان لهم حقوق فى دولة الكيان الاحتلالى, بمعنى أن قرار حق العودة هو من جانب, تأكيد على وحدانية المشروع الصهيونى, ومن جانب تأكيد على لا وحدانية المشروع أو القضية الفلسطينية.

جاء برنامج النقاط العشر, فى عام 1974, الذى دعا الى اقامة سُلطة وطنية, على جزء من فلسطين, تمريرا لاستراتجية التشظى. ابتلعت القيادة الفلسطينية الطُعم, بلا عبقرية تاريخية أو ثورية, وتبنت القضية الفلسطينة على أساس أنها أجزاء من الجغرافيا, لكل منها مفهوم سياسى مختلف. فالقضية الفلسطينية, قضايا, الوحدة بينها أو تجميعها فى اطار, استحال فى التاريخ المعاصر.

ضغطت أنظمة عربية على الفلسطينيين, وحاصرتهم. سارت الأمور باتجاه فرض الاستسلام على الشعب الفلسطينى لسياسة تجزأة القضية الوطنية الفلسطينية. ذهب السادات الى أبعد نقطة فى التاريخ السياسى لترسيم المشروع الفلسطينى فى أجزاء, تَبِعَهُ أوسلو ووادى عربة.

نهجت تيارات سياسية فى فلسطين المحتلة عام 1948, فأطرت مشروعها السياسى كجزء من المشروع الاسرائيلى “الليبرالى الديمقراطى الاحتلالى”. وضعت المشروع السياسى الفلسطينى كجزء من المشروع السياسى الاسرائيلى, ساهم فى تحويل شعبنا الفلسطينى فى الداخل الى مجرد شعب “فكرى” أو ينضوى تحت مشروع فكرى حزبى, لأنه لا يستطيع أن يطرح مشروعه السياسى, المستقل.

فلسطين 1948, بلا مشروع سياسى حقيقى, وكل ماتقدم هو أيديولوجيا (شيوعية, ليبرالية) داخل المشروع السياسى الاسرائيلى. بمعنى أنه تم تعرية الشعب الفلسطينى من السياسى, وابقوه فى ايدلوجيا الأفكار, ومشاريع الاقتصاد فى شؤون الحياة اليومية. لا بد من الإشارة الى أن هناك من يقف على النقيض من تجزأة القضية, فى فلسطين المحتلة عام 1948.

اتخذت قوى وأحزاب وقيادات وطنية وقومية, مواقف مناقضة لهذا الواقع, منهم جورج حبش, ناجى علوش, ومنهم مازال على قيد الحياة أحمد جبريل, قيادات حركة فتح الانتفاضة, وكُثر. انتقلت حماس من حيز مشروع فلسطين المستقل عن المشروع الصهيونى, الذى يتعامل مع القضية الفلسطينية كوحدة واحدة, دون تجزأة, الى تبنى سياسة المشروع الفلسطينى, المجزأ.

فى الداخل العربى, ليست الأمور بأحسن من ذلك, فهى أيضا تعيش ظروف تشتيت وتجزأة القضايا الوطنية. فمثلا قرار الضم الذى نفذه الأردن, كان خطأ استراتيجى, ووجه ضربة سياسية الى كيانية المشروع السياسى للشعب الفلسطينى والأردنى. وجد المواطن والمجتمع الأردنى نفسه أمام تعريفات لكيانية مشروعه السياسى من خلال ضمه للضفة والقدس, واعلان القدس عاصمة ثانية للأردن. وكأن المشروع السياسى للمجتمع الأردنى يُعَرّف نفسه من خارجه, أو فى ضمه الى جزء من فلسطين الى الأردن. جلب مسألة الأجزاء الفلسطينية الى مشروعه السياسى, ولم يبحث عن مشروع سياسى يعبر عنه, دون الخارج.

قاد قرار الضم الى حرب أهلية بين المقاومة الفلسطينية والنظام الأردنى, فى أيلول 1970. ونقول ذلك لأن الحروب الأهلية لها اسباب تاريخية كبرى, ولها اسباب فرعية حياتية أو “حقولية” “صراع حقول” فى السياسة والاقتصاد والثقافة, يستثمر كل طرف ما يخدمه ظرفيا وتقنيا. الا أن صراع الحقول, ينضوى فى سياق السبب التاريخى, المسيطر الكلى, وهو قرار الضم.

لم يكن قرار الضم نتيجة استفتاء الشعب الأردنى, ولا الشعب الفلسطينى, ووجد هذا القرار مكانه فى الاستجابة الى وعودات بريطانيا فى المنطقة, التى “أوهمت وخدعت” الجميع أنها ملتزمة بوعودها التى قطعتها للهاشميين بعد حسم الصراع مع ابن سعود, وتداعيات هذا الصراع على المشروع السياسى على الأردن وفلسطين.

ارتأت قيادة منظمة التحرير, وتحديدا قيادة حركة فتح, أن الاعتراف بالتمثيل الفلسطينى, دوليا وعربيا, واردنيا, يتطلب فك ارتباط الأردن بالضفة والقدس, حتى يصبح قرار 242 ذو صلة بالقضية الفلسطينية.

فالقرار 242 الذى يشير الى ازالة آثار عدوان 1967, يتعامل مع الكيانات السياسية القائمة فى ذلك الوقت, مصر, الاردن, سوريا, لبنان. أما فلسطين لم يكن لها كيان سياسى, معترف به, ومن بين الأسباب العديدة, أن الأردن, يقدم نفسه وصيا, أو أن فلسطين جزء من الجغرافيا الأردنية, لذلك فان 242 فى ذلك الوقت, لا صلة له بفلسطين, بل له صلة بفلسطين كجغرافيا أردنية, منفصلة عن فلسطين القضية, وبالتالى فان فلسطين فى 242 غائبة.

بدأ تصحيح الخطأ الاستراتيجى المتعلق بالعلاقة الأردنية الفلسطينية,  منذ الاتفاق الأردنى الفلسطينى فى عام 1985, وتطورت العلاقة الأردنية الفلسطينة, من بعدها, الا أن هذا الاتفاق جاء فى سياق سعى الطرفان الفلسطينى والأردنى نحو مشروع مفاوضات.

وجائت صيغة الوفد الأردنى الفلسطينى المشترك, بمثابة تعميد لمسألة تجزأة القضية الفلسطينية. بُحِثَ فى صيغة الوفد, عن تبريرات سياسية, طرحت فى سياقها قضية الكونفدرالية, حتى تقبل بها أميركا فى عهد الرئيس الأمريكى رونالد ريغان.

حسمت الانتفاضة الأولى فى عام 1987, مسألة تمثيل القضية الفلسطينية, وعلى أثر ذلك أعلن الملك حسين, قرار فك الارتباط عام 1988.

التيار الرئيس فى التحرر الوطنى الفلسطينى, هو تيار “اجتزائى”, عاجز عن تمثيل فلسطين كوحدة واحدة. الصراع مع الصهيونية أصبح صراعا بين أجزاء فلسطينية فى مواجهة مشروع متوحد فى مشروع سياسى صهيونى.  على الرغم من بلورة مشروع سياسى, “مرحلى” وعلى مراحل, الا أن هذا المشروع حرث الشتات السياسى فى القضية الفلسطينية, أوسلو الحصيدة.

عندما يغيب السياسى, الذى يسيطر على مجريات التاريخ, تحضر الأيديولوجيا والاقتصاد.

كاتب عربى

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. خالد مقالة رائعة جدا ونقطة في غاية الأهمية، دائما اوردها في نقاشاتي الا وهي وحدة القضية الفلسطينية اي التعامل مع قضية فلسطين كقضية واحدة والتعامل معها ايضا من الجانب الأخلاقي النقيض للمشروع الصهيوني اي عدم القبول بنتائج الجريمة الصهيونية اطلاقا. بدون هذه الوحدة لن تنجح اي قيادة للشعب الفلسطيني في حشد طاقات هذا الشعب خلفها وستخسر بل خسرت فعلا اجزاء وشرائح كبيرة ولم يعد كثير من ابناء فلسطين مقتنعين بجدوى وجود م.ت.ف بسبب هذه التشظية كما اسميتها. هناك نقطة يجب توضيحها هنا ان ايلول لم تكن حرب اهلية بسبب ضم الاردن الضفة الغربية ولم تكن كذلك ردا على سلوكيات غير منضبطة للعمل الفدائي الفلسطيني كما يزعم البعض رغم وجود هذه اللا انضباطية. ايلول كانت تنفيذ لدور البعض في انهاء ظاهرة المقاومة كما يحصل حاليا ايضا وكانت ايلول ستتم حتى لو كان الفدائي الفلسطيني ذو مسلكية ملائكية. قرار ضم الضفة للاردن وغزة لمصر كان قرارا صهيوني غربي لمنع قيام كيان فلسطيني وهو يندرج تحت نفس البند تجزئة القضية الفلسطينية. للحديث بقية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here