خالد فارس: عاصفة صفقة القرن التى تترنح على أبواب الأردن وفلسطين

خالد فارس

يتحدث مارتن انديك المبعوث الأمريكى السابق لعملية السلام, ومسؤول ملف الشرق الأوسط فى الخارجية الامريكية سابقا, فى مقالته المنشوره فى مجلة فورين أفيرز عدد ديسمبر 2019, بأن الملك عبدالله الثانى تصدى الى تهديدات ترامب, فى ما اذا لم يوافق الاردن على صفقة القرن, سيتعرض الأردن الى خسارة الدعم المالى السنوى والذى تبلغ قيمته مليار دولار سنويا. ولو خسر الأردن هذا المبلغ, فى ظل الأوضاع القائمة, فالعاقبة حُبلى فى الأحداث. الا أن استمرار الدعم المالى (على الرغم من تحفظنا على مبدأ الدعم الأمريكى) وعدم موافقة الأردن كنظام سياسى على ضغوطات صفقة القرن, يعتبر نقطة مضيئة يجب البناء عليها.

ففى ظل الأوضاع التى تعيشها المنطقة, وعلى الرغم من التحديات الداخلية التى تمر بها المنطقة, يصمم الأمريكان على احداث مزيد من الفوضى والضغط على المجتمعات, لكى تنصاع الى رغبات وتطلعات المشروع الاسرائيلى. رغم كل ما يجرى فى الداخل الأردنى والخارج, استطاع الأردن, أن يُنَحىّ جانبا مسألة صفقة القرن, و هذه اللحظة مهمة, لأنها تصون وتحمى وحدة ونسيج المجتمع الأردنى والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

ويشير فى ذات المقالة أيضا أن ترامب قد طلب من كوشنير, بان يتم ايصال رسالة الى الفلسطينيين من خلال السعودية, مباشرة عن طريق ولى العهد السعودى, بأن يتعظ الفلسطينيون من أخطاء الماضى. وتعهد ولى العهد السعودى بتقديم عرض قيمته عشرة مليارات دولار الى محمود عباس, على شرط أن يوافق الجلوس على طاولة المفاوضات, والبدء فى مفاوضات سلام. الامر الذى رفضه محمود عباس, وتعمد محمود عباس تسريب قصة العشرة مليارات دولار, التى تسببت فى فوضى وغضب فى الشارع.

والمحصلة, أن أميركا تجد نفسها غاضبة من الأردن وفلسطين, ولكنها بدأت تشعر بالعزلة, الأمر الذى يثير حفيظة العديد من الساسة الاميركان.

بعد مضى ثلاث سنوات على رئاسة ترامب, لم يستطع احداث تقدم فى أى من ملفات الوطن العربى, بل ازداد الأمر تعقيدا, وتساهم سياسته فى احداث مزيد من الارباك فى نسيج المجتمعات العربية, خصوصا فى الأردن وفلسطين. ينتقل الامريكى الى لبنان, لضرب ما هو قائم من وحدة نسيج المجتمع اللبنانى, وعلى الرغم من كافة التعقيدات, الثابت أن كل تغيير تتدخل فيه أمريكا يفشل ويخلق مزيد من الفوضى.

دروس مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار. هناك تغيير ينطلق من واقع نسيج المجتمعات, وتغيير تدفع به “اسرائيل” من خلال أميركا, من خارج المجتمع الأردنى والفلسطينى. المعادلة التى أصبحت أكثر وضوحا, أنه كلما انطلق التغيير من وحى مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع, من الداخل الوطنى, وتم استبعاد أو تحييد التغيير الذى يأتى من الخارج, فاننا سنشهد علاقة بين الدولة والمجتمع أكثر نضوجا وأمنا واماناً.

العلاقة بين الدولة والمجتمع بحاجة الى بناء على أساس الثوابت الوطنية فى كل من الأردن وفلسطين. لأن هذه الثوابت, التى مازالت صامدة, ما تنفك أن تتعرض الى ضغوطات جديدة, و لو تم تمريرها سوف تكون على حساب المستقبل السياسى للأردن وفلسطين.

المطلوب من الأردن وفلسطين, “اسرائيليا”, هو تغيير فى الثوابت أو ما تبقى منها (فلسطين أصبحت ليست كل فلسطين والسؤال الذى يطرح نفسه ماهو تعريف الثوابت؟), لأنها حجر عثرة مازالت قائمة أمام أى مشروع سياسى من الخارج. لمواجهة ذلك, تزداد الحاجة الى مصالحة وطنية تعزز وحدة النسيج المجتمعى, لكى تستطيع الدولة مرتكزة على مجتمعها والمجتمع مرتكز على النظام السياسى الذى يحكم, مواجهة استراتيجيات سياسة الخرائط التى تحاك من كوشنير عراب المشروع الاسرائيلى.

يبحث المشروع الاسرائيلى عن فجوات وثغرات للدخول منها الى البنية السياسية القائمة, وعلى الرغم من هشاشة عناصرها, الا أنها مازالت قادرة على أن تقول لا, وترفض المساس بجوهر القضية السياسية. ولكى تترسخ هذه المعادلة, ويدرك الاسرائيلى أنها راسخة, قد يتراجع أو يصمم على احداث مزيد من البلبة.

الاشارة السياسية التى ترافقت مع استعادة أراضى الغمر والباقورة, و على الرغم أنها ليست كافية, الا أنها قوية, وترتد على صفقة القرن وعلى تطلعات مشروع نيتنياهو كالرمح فى مَقتل.

كل ذلك, ليس بديلاً عن ترسيخ وحدة المجتمع, فهو الأنجع والأقوى والمستدام. الدولة بحاجة الى مجتمعها والمجتمع بحاجة الى دولته.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here