خالد فارس: حماية بُنْية وبيئَة الحِراك فى الأردن

 

خالد فارس

تَعَدّدْ أوجه الحراك الاحتجاجى فى الأردن, لا يجب أن يُخْفى السؤال أو “الأسئلة” الجوهرية, التى تسكن وجدان المتضررين من الأذى والدمار, الذى لحق بهم من سياسات النظام. والتى أصبح يُطْلق عليها النَهْج, الواجب تغييره. محاربة الفساد, ليس فى أنها قضية فنية أو عشائرية أو أخلاقية أو اقتصادية أو ثقافية, بل فى كونها تنصهر فى النهج السياسى, أو ضمن “لعبة” توزيع الثروة, عن طريق اختلاس خزينة الدولة وجيوب المواطنين. أنها قضية سياسية, جوهرية.  لماذا؟

لايستطيع أحد قبول الاعتقاد بأن النظام, فى شَقِّه الأمنى, ومراكز القوى المنتفعة, من قضايا الفساد, لم تكن تعلم بقضية “مطيع”. بل, من البديهيات الأردنية, أن مثل هذه القضية, وغيرها, كانت على شاشات الرادار الأمنى, الذى يتلقى توجيهاته من القيادة السياسية.

مايهمنا, ما بعد البديهيات, بِلُغَةٍ أخرى, فى ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسة والثقافية المتدهورة فى الأردن, قضايا الفساد, والتعاون مع العدو الصهيونى, والتفتيت الاجتماعى, والفقر والبطالة وحقوق الانسان, والتنسيق المتواصل مع أجهزة المخابرات الغربية من سى أى ايه الى غيرها, كيف أصبحت جميع هذه العناصر “هوية” أو بُنية النظام السياسى فى الأردن؟ أو لماذا؟

الجواب التقليدى, ضعف المعارضات, مضافاً لها, قدرة النظام السياسى الرسمى فى الأردن على استدامة علاقة متوازنة, غير قابلة للكسر, مع أقوى تنظيم سياسى, وهو تنظيم الاخوان المسلمين أوما نتج عنه من تشكيلات حزبية مثل جبهة العمل الاسلامى. يعيش الأردن ظروفاً يمكن أن نطلق عليها, خصومة بلا خصومة حقيقية, أو خصومة غير ندية, لا ترتقى الى التغيير الحقيقى.

لقد ساهمت مواقف قوى المعارضة, على تنمية بنية سياسية أردنية, أصبحت بَيًتاً (منزلاً) مِضيافًا لوادى عربة وصندوق النقد الدولى وفاسدين لا يتم محاسبتهم. لقد تم تمرير وادى عربة على المجتمع الأردنى, فى الوقت الذى كان فيها تنظيم الاخوان المسلمين الأقوى فى المعارضة, وله وزن كبير فى البرلمان, ولم يدعو الى أى نوع من أنواع العصيان أو الاضراب أو الاحتجاج الحقيقى.

لقد تم “تدليع” النظام السياسى فى الأردن عند السماح له بتمرير وادى عربة وبرامج صندوق النقد الدولى ومنظومة فساد. أصبحت البنية السياسية فى الأردن الرسمى, مقبولة, “بعجرها وبجرها”. ومن يطالب بتغيير النهج, هو الذى يتم محاسبته, واعتقاله, وتهديده, أما هؤلاء الذين “يتراقصون” فى أحضان وادى عربة وغيرها, يعيشون تُخمة مالية وهيبة وحصانة.

مازل الأمل فى المعارضات, لأنها البديل, ولكن ماذا ينقصها, أو من ماذا تعانى؟ أشير هنا, وفقط, الى أن الأردن البديل, يعانى من “ذمم” أو “ضمير” أو “جذرية” أو مبدئية” النخب الوطنية. فقد الأردن النخب الحقيقية, اما أنها انصهرت فى ريع مالى من النظام السياسى فى الأردن أو من أنظمة عربية مجاورة خليجية وغيرها, أو أنها تعتقد أن المساس فى النظام السياسى الرسمى, يعنى تهديد لوجود الأردنى أو الأردن, أو من يعتقد أن الأردن له هوية دينية اسلامية وأن أى حراك أو تغيير يجب أن ينصاع لذلك, أو من يعتقد أن الاشتراكية قاب قوسين أو أدنى ويتم التعاطى معها كونها قالب ذهنى ادراكى ترتبط بالشخص الذى ينطق بها حصراً, أو من يرى فى سوريا المننتصرة الأمل الوحيد الاستراتيجى حصراً, الخ…

الأردن بحاجة الى انتاج هوية بديلة للنخب, على أساس الأردن البديل, ولايمكن لهذه النخب أن تكون أردنية حقيقية, الا اذا انطلقت من واقع الأردن, المجتمع. لا يعنى ذلك الانعزالية, بل يعنى “تجذير” المسألة الأردنية, خارج وادى عربة وصندوق النقد والفساد, وطرح نظام سياسى, البديل الحقيقى.

حماية البنية السياسية للحراك:

يتطلب من الحراك أن يسعى الى حماية بنيته السياسية, أولاً, حماية المناضلين من الاعتقال والمطاردات الأمنية, ثانياً: اسقاط وادى عربة والفاسدين لانهم وجهين لعملة واحدة, ثالثاً: فضح النخب التى تتلقى تمويلات من دول الخليج أو من النظام السياسى القائم أو من السفارات العربية وغيرها, رابعاً: المطالبة بقانون يقرر تحويل ايرادات قضايا الفساد لصالح ميزانية المعارضات أو فى أعمال لصالح الفقراء والعمل المنتج, لأن الفضل يعود للمعارضة وللمجتمع الأردنى, وضرورة تحويل ذلك الى قانون, خامساً: الاعتراف قانونياً بهوية النُخَبْ ومنحها حصانة يمنع اعتقالها أو تهديد مصالحها واسقاط صفة النخبة عن من يتلقى أى تمويل من جهات خارجية وأجهزة أمنية. خامساً: طرح قانون يعتبر مسألة الفقر قضية سياسية وأخلاقية, يتم على أساسها محاسبة الحكومات, قانونياً.

ماجاء من نقاط, هى مجرد اقتراح محاور, لن يكون ممكنا تحقيقها على دفعة واحدة, إنما الغاية هو وجود استراتيجية ورؤية. ويمكن تغييرها واستبدالها, الأهم, هو التمسك بحماية وتطوير بُنْية الحراك الاحتجاجى, وعدم غض النظر عن مسألة “تجذير” القضية الأردنية, خارج وادى عربة والفساد وصندوق النقد والى غير ذلك. إن حراك الرابع, يأتى مكملاً لحراكات موازية له وأخرى سبقته, لهذا فان تحديد “بنية” حقيقية له أصبح أمراً ذو أولوية.

كاتب وباحث عربي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لعلم الكاتب المحترم ان من يقف وراء الحراك هم حفنة من المتقاعدين الساخطين على الحكومة التي انهت دورهم في الاداء السلبي لواجباتهم ومعهم مجموعة من البلطجية والزعران من اصحاب الهتافات الغير اخلاقية في ملاعب كرة القدم

  2. لا أدري ان كان الكاتب يعيش على كوكب الأرض ام على كوكب آخر . و لكن في أفضل الظروف يبدو غير ملم على الإطلاق بالظروف الإقليمية و الدولية . فهو مثلا يطالب بإلغاء اتفاقية وادي عربة و لكنه لم يطرح بديل لذلك . ربما انه ليس لديه علم ان أكبر دولة عربية ترتبط باتفاقية مع إسرائيل و كذلك فإن تلك الدول العربية الأكثر ثراء في العالم ترتبط بتفاهمات مع إسرائيل و أن ما يسمى بدول الممانعة لم تأخذ هذه التسمية إلا من امتناعها من الرد على إسرائيل . السياسة هي فن الممكن في ظل الظروف التي لم يسبق لها مثيل على الدول العربية . ثم من قال لك أن المعارضة تفتقر إلى فاسدين و لصوص بين صفوفها .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here