خالد فارس: بلفورية ترامب: “سوريا لك” اعلان تركيا رأس حربة أميركا فى المنطقة

خالد فارس

الحلول التى تَصَوّرَها الأميركان فى سوريا, تقوم على فيدراليات هوياتية (عربية , كردية, سنية, علوية, تركمانية, وغيرها). وهذه الفيدراليات تجمع بين الجغرافيا ومواطنة الهويات الفرعية. تعايشت هذه الهويات فى اطار المشروع القومى الذى حملته الدولة السورية. ثم واجه هذا المشروع تحديات خطيرة وكبيرة فى /20112010 ولاحقاً فى 2013, مما أدى الى انفلات هذه الهويات من عقال المشروع القومى التحررى, ولجأت الى البحث عن مشروع بديل تنضم له.

لم تُفْلِح قٍوى المعارضة السورية فى انتاج مفهوم وطنى “لسوريا البديلة”, يتجاوز الهويات الفيدرالية. أَغْرَقَت هذه المُعارضة الشعب السورى, بشعارات إنتشلتها من أقبٍية التاريخ, و لم تُثْبِت يوماً أنها تُدرِك فحوى تاريخها, أو حتى أن لديها عُمقاً أو فهما قوميا حداثوياً (بديلاً). بل كانت مجرد ميكياج سياسى, من النوع الفاخر, حيث البترودولار يستطيع توفير أفخر أنواع السيجار السياسى والجاكوزى السياسى والفنادق والرفاهية السياسية.

تحولت هذه المعارضة الى مشروع اقليمى أولاً, وسورى آخراً. من يَنْظُر, على سبيل المثال, الى تجربة “الجيش الحر”, لا يجد أنها بعيدة عن هوية “كونترا” مسلحة, على غرار قوات الكونترا فى نيكاراجوا, أو قوات تابعة لدول اقليمية. وذات الأمر انطبق على قوات سوريا الديمقراطية, أو الكتلة التى تحتمى بمشروع الهوية الكردية, الذى ارتهن الى المشروع الأمريكى الذى أدخلها فى أزمة تاريخية اطاحت بالأحلام الديمقراطية للأكراد. كيف للحركة الكردية السياسية, أن تتحدث عن أحلام ديمقراطية من على ظهر الدبابة الأمريكية الصهيونية.؟!

شعار اسقاط الاستبداد, الذى رفعته هذه المعارضات, صَاهَرَ بين “الحرية والبترودولار والتبعية (لدرجة العبودية)”. هل يمكن أن يكون هناك حرية وعبودية وبترودولار توافق العقل البشرى فى هذا الزمان؟. مفارقة تاريخية, خطورتها بأن هناك مازال من يقدمها وصفة للشعوب!!.

انسحاب ترامب له اسباب متعددة, كنا قد تطرقنا لها فى مقالة سابقة (ابريل 2018), ولكن تكتيكات تنفيذ هذا الانسحاب هو مايهمنا هنا.

يُدرك ترامب أن المنطقة ليست محصنة من انفجار “طائفى أو عِرقى أو هوياتى”, الا أنه فى حقيقته أوفى جوهره صراع وطنى-قومى. أراد من تكتيك الانسحاب, أن يرسم حدودا لهذا الصراع, الغاية منه تأبيد للصراعات الطائفية الهوياتية. ألقى ترامب بشرارة هذه الحروب, ولكن هذه المرة على أبواب القوى الاقليمية فى المنطقة.

 ترامب على دراية مفصلة بالمشروع السياسى الذى يسعى له أردوغان, ويعلم أيضاً أنه من غير الممكن تجاوز أردوغان فى المنطقة. ويعتقد كذلك, أنه بتحقيق رغبات تركيا (الهوياتية السياسية), يمكنه تحقيق رغبات أميركا, بأقل التكاليف, مع ايران والسعودية وسوريا وحتى روسيا, ومهم جداً لترامب, أوروبا (فرنسا وألمانيا).

رأس حربة لأميركا:

“سوريا لك”, هو اعلان أن تركيا رأس حربة ترامب ومشاريعه فى المنطقة ومع أوروبا. هل تستطيع تركيا أن تلعب دور رأس الحربة الأمريكية؟

لو عدنا قليلاً فى التاريخ الى مشروع الحزام الأخضر الذى طرحه جابوتسنكى أثناء الحرب الباردة, والذى أدار انقلابا فى تركيا لمعاقبتها على وقوفها مع الاتحاد السوفييتى فى ثمانينات القرن العشرين. هذه المرة, وبعد فشل الانقلاب فى تركيا أو اسقاط اردوغان اقتصاديا, تستعيد تركيا أهميتها (تركيا الحزام الأخضر الاسلامى), بقيادة أردوغان.

التقطت دول كثيرة هذه الاشارة, وبدأت التحرك فوراً. أقالت السعودية عادل الجبير لأنه لم يعد صالحاً لمرحلة “سوريا لك” ياتركيا, اضافة الى أن وجود الجبير فى هذه المرحلة يُلغى أى دور للخارجية السعودية, وتم استبداله بالعساف, الذى يمثل الخارجية والمال (وزير مالية سابق). تحركت الامارات والبحرين لاستعادة العلاقات الديبلوماسية, وقبلها السودان, وربما من اوروبا قريبا. يخشى البعض من جيو-سياسى, يُلغى امتيازات سايكس بيكو ويستبدله بترامب-اردوغان!.

لتركيا مداخل او نوايا هويايتية متعددة فى سوريا والوطن العربى.التفت لها ترامب, واعتبرها فرصة تاريخية ضخمة. ويمكن تلخيصها بما يلى: أولاً: تسعى تركيا الى عدم السماح لقيام كيان كردى (هوية كردية سياسية), ثانياً: انشاء دعائم منظومة هوية سنية تقودها تركيا (ما تطالب به مدرسة الواقعية السياسية فى أميركا-Real politick ), ثالثاً: منافسة الوجود الايرانى الذى تعتبره تركيا تهديدا مذهبياً, رابعاً: مخططات تتعلق بمستقبل “الجيش الحر”, فى أن يكون نواة بديل عن “العلوية السياسية العسكرية” وتحويل “العلوية” فى سوريا الى مجرد هوية طائفة فيدرالية, وأن يلعب “الجيش الحر” دوراً اقليميا بعد أن يتم تأهيله ليصبح أحد الجيوش القوية تحت قيادة تركيا. علماً أن “الجيش الحر”, ليس له عقيدة قتال للعدو الصهيونى.

“سوريا لك”, هكذا نطق ترامب, تماماً مثل بلفور, يعطى من لايملك لمن لايستحق. سوريا ليست الا, لشعبها وللعرب.

هل نحن أمام إنتاج بلفورية جديدة فى سوريا, أم موافقة أميركا على اقتطاع جزء من سوريا, أم هى توريط لتركيا, أم فحص امكانية نجاح تركيا فى تحقيق شىء فى واقع معقد, أم اعادة انتاج مشروع كتلة سنية نافذة فى سوريا والعراق والخليج وفلسطين, أم “فخار يكسر بعضه”, أم هل عَقَدَ أردوغان صُلحاً “حديبياً”, مذهبيا قومٍيا “أمة عثمانية جديدة”, مع أميركا؟. “سوريا لك” هى عبارة عنصرية, قد تكون كلمة السر التى تعنى, فليحرق بعضهم بعضا, ولن نتدخل الا مقابل, المقابل الامريكى هذه المرة, مختلف من حيث النوع والكم.

تبقى القضايا المتعلقة بالتنافس على مصادر الطاقة, مثل الغاز البحرى والنفط وخطوط الإمداد اللوجيستى, فاعلة فى تكتيكات الانسحاب, وتبادل الأدوار. دفعت أميركا بتركيا كرأس حربة, فى مواجهة مع القومية العربية, ومشروعها الحداثوى, المتعثر, لاشغاله فى قضية هويات معقدة, تمنع نهوضه من سباته وتبقيه مشغولاً فى قضية هويات مابعد سايكس-بيكو, وبلفورية جديدة.

كاتب عربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here