خالد فارس: المثقف والانقسام الاجتماعى مقاربة نظرية

خالد فارس

ماهية المثقف:

إستحوذ “المثقف”, فى تَعَدّدْ وتَنَوّعْ أشكال التعاطى معه, على هامشٍ, ما فَتٍىَء يَتَشَظّى, الى جزيئات منفصلة عن سياقها, ويتوسع فى فضائات, يَخْلِقُها المثقف ذاته. ينطلق المثقف من ذاتِه, أو يمكننا القول, أن  الفعل الأول, لأى مثقف, هو مُمارسَةْ وًعْيًهُ على مُمارساتِه هو, ذاتَه كمثقف على ذاتِه كمثقف, أو بذاتِه “المثقف” على ذاتِه “المثقف”, ليستلهم أو يستشرف منها, ماهِّية المُثَقف؟.

لكننا نرى أن سؤال ماهية المثقف, تكمن فى العلاقة بين أمرين معاً, أولاً: الذات التى تتعلق بالفعل الادراكى الذهنى, تجاه إنتاج ذات تشتبك مع الفكر والثقافة (يَطْلِق العديد, منهم, مهدى عامل, على الثقافى, أيديولوجيا, لن أتطرق الى هذه الاشكالية هنا). ثانياً: الانقسام الاجتماعى, حيث يتعرض المجتمع البشرى الى سيرورات انقسام مستمرة ومتواصلة, كلية وجزئية, تَفْرِز كل محطة أو مرحلة, اعادة انتاج أو انتاج للجديد, من رحم القديم. وللانقسامات أشكال متعددة (الحروب الأهلية, حروب التحرير, الفقر, الاستبداد, المذهبية, الطائفية, العشائرية, الاحتلال, الجريمة, الفساد, الحرية, العدالة, الخ).

يتموضع المثقف بذاته الادراكية الذهنية, فاعلاً مُشتبكاً (أو فى ظرف التشبيك), مع الانقسام الاجتماعى. هى علاقة دياليكتيكية, بين الذات والواقع, الذات فى سيرورة ادراكها الذهنى والعملى, والواقع فى سيرورة انقسامه. الانسان المثقف والواقع المنقسم, فى تفاعل, يتناتج عن هذا التفاعل, مستوى ثقافى عام فى المجتمع.

ماهية المثقف اذاً, فى موقعه, الذى يتجسد فى العلاقة بين ذات المثقف و الانقسام المجتمعى. نقاط التقاطع بين ذات المثقف وجغرافيا الانقسام الاجتماعى, هو ما يشكل حيز أو مجال المثقف.  بلغة أكثر دقة, حَيّزْ استكان فيه فاعلا, يؤدى عملاً اجتماعياً, يُنْتِج, ثقافة عامة, من فكر سياسى-اقتصادى-ثقافى, من على تخوم الانقسام المجتمعى.

ماذا يمارس المثقف فكراً أم ثقافة؟

فى البداية لابد من التفريق بين الفكر والثقافة. الفكر هو عبارة عن المنظومة النظرية وعناصرها, أو البنية النظرية الفكرية (الفكر الاشتراكى, الفكر الرأسمالى, الفكر الاسلامى, الفكر المسيحى…). الثقافة هى بُنْيَة, على مستوى المجتمع ككل, تَحْتَوى وتَجْمع بين مختلف المنظومات الفكرية, فى علاقة متناقضة متصارعة. الثقافى هو مجمل الممارسات الاجتماعية, للأفكار, المختلفة والمتمايزة عن بعضها, تتكون أو تنبنى فى بُنْية ثقافية اجتماعية عامة.

الثقافة عبارة عن سيرورة ممارسة الأفكار أو الفكر المُعْتَقَد, هى عملية هدم و بناء للفكر تتناتج فى الثقافى العام فى المجتمع. الثقافى هو التمثيل الأيضى للفكر, ميتابوليزم الأفكار, عملية تحويل الفكر من مادة “خام” أو “نظرى”  أو “تظهر كأنها مستقلة عن الواقع أو ميتافيزيقية”, الى بُنْيَة عَضَلية حقيقية, وجودية, تتجسد فى بنية (فى بناء), على مستوى المجتمع ككل.

يُؤدى المثقف دوراً بارزاً فى تفنيد المستوى الثقافى, يستكشف حركة الفكر فى المستوى الثقافى العام فى المجتمع, وكيف يتحرك, وماهو تأثيره على الواقع. يبحث أيضاً فى الفكر عن تعليلات (شرعية) للممارسة, التى من الممكن أن تتحول الى ممارسة. يخلق تمفصلاً بين المستوى الثقافى العام والفكرى “العامودى”, ويبحث فى التناقضات التى يحملها المستوى الثقافى, وآليات السيطرة على الوعى العام.

هناك ممارسات تحاول أن تجعل من الفكر فوق المجتمع, مُنْفَصِل أو عابر للتاريخ, وممارسات تسعى جاهدة, الى انخراط أو ترابط كلى للفِكر الانسانى, (مُدْمَجَة) فى ممارسات المجتمع السياسية الاقتصادية الثقافية. يَتَجّلى الفرق, فى أن الأولى تسعى الى تصنيم الفكر (الأيديولوجيا العدمية), و اخفاء مكنونات النقد أو الجدل الحر فيه, والثانية تسعى الى تثوير الفكر (الأيديولوجيا الثورية), على أساس استدامة النقد والجدل الحر فيه.

ماهى أولويات المثقف؟

سؤال الأولوية يتعلق ب, ِكَيْفَ يشتبك المثقف مع الواقع؟. أطلق إميل زولا شرارة الاشتباك من خلال رسالة “أنى اتهم”, فى مواجهة كبار قادة الجيش الفرنسى بخصوص قضية الكابتن اليهودى درايفوس. وصية باسل الأعرج “تحية العروبة والوطن والتحرير” أصبحت أيقونة لمفهوم المثقف المشتبك. غسان كنفانى, ماجد أبوشرار, مهدى عامل, كما عدوان, وديع حداد, فتحى الشقاقى, على أبوطوق, عبدالعزيز الرنتيسى, الأسرى فى المعتقلات, المهدى بن بركة, جميلة بوحيرد, وغيرهم الكثير الكثير, الأحياء والشهداء, نضيف لهم الحراكات الاجتماعية, تُشغلهم جميعا استدامة وديمومة الاشتباك المتواصل مع الانقسام والتشظى الاجتماعى.

المثقف المشتبك هو الذى يصل الى مرحلة استدامة الاشتباك مع الواقع, ومن لايشتبك مع الواقع, يفقد صفة المثقف الحقيقى, ويتحول الى ترف فكرى. البحث المتواصل عن ممارسات تُعَقلِن أو تجعل من موقعه فى الحيز الذى استكان فيه فاعلاً, عَقلانياً تنويريا, أو تَحَرُّرياً ثورياً, أو لهيمنة الطبقة أو الكتلة الحاكمة.

اشتباك “يُعَقْلِن” الكفاح ضد الانقسام المجتمعى. بلغة أخرى, مُشتبك لأنه يَبْنى من ممارسة فى مواجهة ممارسة, التى تتخذ طابع التضاد. أن تبنى شىء يعنى أن تشتبك أو تخلق حالة تشبيك مع عناصره, أو تنتج شبكة ممارسات, تترابط فيها عقلانية تحرر الواقع.

كاتب عربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here