خالد فارس: الاردن: عاش المعلم: الشعب يريد حقوق المعلم

خالد فارس

يبدوا أن هناك تسارعا فى مراحل الاحتجاج فى الأردن, والفواصل الزمنية بينها تتقلص.   ماجرى مؤخرا, على أثر قرار النائب العام بتعليق عمل نقابة المعلمين, واقتياد رئيسها ومعه نفر من النقابيين,  الأوفياء لنقابتهم والى الأردن, الى السجن, أثار تساؤلات, أكثرها اثارة, هو مدى ارتباط النقابة بمشروع تنظيم الاخوان المسلمين.  لكن جرجرة الامر الى هذا الحيز, كأنه يعطى شرعية لما قامت به السلطات الأمنية. لو تحافظ النخب على خطاب سياسى يوحد الجهود, بدلا من خطاب الاستقطاب, الذى طالما, أضعف النقابات والمجتمع.

تحركت جموع من المجتمع الأردنى, بتاريخ 29/7/2020, الى الدوار الرابع, للمطالبة بالافراج عن المعتقلين, و الغاء قرار تعليق عمل النقابة. وعلى أثر ماجرى من هجوم على العتصمين, وتعرضهم للضرب المبرح, تبع ذلك تجمع كبير فى اربد بتاريخ 1/8/2020, فى ساحة مجمع النقابات المهنية. وانتهى التجمع بالدعوة الى مسيرة يوم الأثنين القادم 10/8/2020, من دوار التقاطع الى نقابة المعلمين فى اربد. وهناك دعوات مماثلة لاستنهاض البلقاء ومدن أخرى, قد تتحول الى حراك أفقى, على مستوى المجتمع ككل.

تكرار مشهد الارباك والارتباك, يؤكد على فراغ كبير فى العملية السياسية, ويشى بدخولها فى حلقة مفرغة. لن تقدم الدعوة الى الانتخابات النيابية أكثر من شراء وقت, ولم تكن يوما الانتخابات التى انطلقت منذ عام 1989, سوى جر أذيال الخيبة السياسية الى وادى عربة وبيع وسائل الثروة الوطنية وانتاجها الى أصحاب رؤوس أموال نهبت المجتمع وأفسدت بنيانه. على الرغم من أن العملية الديمقراطية, جائت بمثابة اعلان الغاء للأحكام العرفية, الا أنه تم اخضاعها لحسابات الاجهزة الامنية, التى أدارتها بالكامل, فى الوقت الذى غضت فيه هذه الأجهزة بصرها عن “عصابات فساد وافساد”, حَمّلَ المجتمع الأردنى وزر المديونية وعذابات البطالة, وغطرسة الكارهين للأردن فى الكيان الصهيونى, وغيره.

تسارع الاحتجاج يعنى تراكم, ويعنى تحولات نوعية. سيجد أبناء المجتمع الأردنى أنفسهم أمام أسئلة تتعلق بالشرعية, اذا لم يكن هناك حل سياسى حقيقى. عندما تستمع الى شعارات التظاهرات, والى نبرة الصوت, فهى بلا شك تطال الشرعية. ولو تذكرنا اعتصام ساحة العين فى السلط, وما بعدها, واعتصامات أبناء عشائر بنى حسن, وماجرى فى العديد من الأماكن, ما يجمع بينهم المطالبة بحقوق إنتزعت من الانسان الأردنى, لصالح لمن لا يستحق. وهذا النوع من التعبير السياسى, يطال عمق ومضمون الشرعية بذاتها, ويشى بأن أسئلة الشرعية تدور فى خلد وذهن الناس, لذلك أسْرِعوا فى تقديم الحلول الناجعة التاريخية, بدلا من اتباع نهج “النعامة السياسية”.

عندما تكون دار المعلم غير آمنة, فان الأردن غير آمن. بعد الجيش فى المكانة الاجتماعية والوطنية, يأتى المعلم, والأمر هنا ليس ترتيبا فى الأهمية, بقدر ما له صلة بالمسألة الوجدانية فى الوعى الجمعى للمجتمعات الحديثة. المعلم أيقونة النمو والوعى والتطور, ومركز جاذبية للحراك والاحتجاج على هذا الحال المتردى. يُخْطِأً النظام السياسى فى التعامل مع نقابة المعلم, على طريقة مسلسل القبضات الأمنية, الحلقة 999, المخرج فيها والمنتج والمؤلف والممثل والكومبارس, أمامه فشل مهنى وسياسى, كبير.

تدور الشعارات التى أطلقها المحتشدون بين المطالبة باسقاط حكومة عمر الرزاز, “حكومة الحرامية”, “ليش بتحبس الأحرار”, حرية, حرية, حرية…” ومطالبة الناس المسير نحو الدوار الرابع مجددا, “لن نرضى بسجن أحرارانا”, “المعلم سيد الشعب”, عاشت النقابة عاش المجلس”. طالب رئيس فرع النقابة فى اربد, حكومة الرزاز, الافراج الفورى عن المعتقلين موجها رسالة له “ماهكذا تدار الأمور”, وأبرق للمعتقلين “نحن معكم ولن نترك الساحات”.

أكد الجميع على ان النقابة للوطن وبحجم الوطن, كأن حال لسانهم يقول أن المجتمع لأبنائه والدولة لأبنائها, فالمجتمع للمجتمع والدولة للمجتمع. الشعار الأساس, الذى رفعه المحتشدون, “الشعب يريد حقوق المعلم”, بحاجة الى وقفة, حقيقية, لأنه يحمل فى طياته مطالب حقوقية وشرعية, وليس شعار غوغائى أو لفظى, بل له اساس وأصول فى العيش المشترك.

ما هو الحل؟ لا بد من التشخيص الدقيق والاعتراف بالأزمة, قبل كل شىء, ومصارحة المجتمع والناس, واطلاق عملية و خطاب مصارحة ومصالحة. لو قلنا أن السياسة الأردنية تدخل مرحلة الضياع والتيه, لما أوفينا, ولكننا نقول أن من بين أسباب هذا الضياع والتيه, هو غياب خطاب مصارحة ومصالحة مع المجتمع, والى عدم الارتكان الى المجتمع, لانقاذ الأردن.

الدولة بلا مجتمع, لادولة, بل هى مجرد شكل دولة. و الدولة بحلف طبقى أو شبكة مصالح تنهب البلد والمجتمع, ليست دولة لصالح المجتمع.التشخيص بحاجة الى مشاركة الناس الحقيقية, ولانجاحها, يجب ابعاد القبضة الأمنية عن رقاب الناس, منع و استبعاد الفاسدين عن المشاركة فى المصارحة والمصالحة, والبدء فى اعادة ثروات وطنية وأموال وتحويلها الى صناديق التعليم والغذاء والعمل لرفع العبء الاقتصادى عن الناس. الأردن بحاجة الى اعادة تأسيس جديدة وحقيقية, تنطلق من الداخل الأردنى, من المجتمع.

كاتب عربى

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here