خالد عياصرة: هيوليود: عالم في مدينة

khalid-ayasra77

خالد عياصرة

 أقيم حاليا في مدينة هيوليود – لوس انجلوس، على بُعد خطواتٍ من شارع النجوم.

ولان المدن كما النساء لا تكتشف جمالهن إلا في الليل – البعض قبل أن ينهي السطور سيرفع بوجهي اتهامات باطلة –  وفي بعض الليل أسرار وسحر و جمال، بعيداً عن رداء الأزمة الذي يحيط بملامح المدن في النهار، فهي تخلع ملابسها في الليل لتظهر في أسمى تجلياتها، نجمة تتلألأ اضوائها طوال اليوم، يتداخل فيها الليل مع النهار، عالم في مدينة، هي المرة الثانية التي اتعلق فيها بمدينة اميركية بعد مدينة فورت كولينز في ولاية كولارادو .

 ثمة نجوم ثلاثة في المدينة، نجوم على الرصيف تكريماً لرواد السينما، نجوم لشركات أسهمت في صناعة السينما، ونجوم الإعلام، إضافة إلى نجوم تضرب بقدميها الأرض جاءت من كل فج عميق لرؤية المدينة وشارعها بحثاً عن نجمة يفضلونها، وثمة نجوم سماوية تحرس المدينة وتزين لياليها، وتراقب شقيقاتها على الأرض.

يعتقد الزائر أن المدينة تشبه منهاتن أو لوس أنجلوس، أو شيكاجو، أو سياتل مثلاً، حيث الأبراج العالية والإكتظاظ السكاني، لكنه يصاب بخيبة أمل ما أن يراها مدينة عادية جداً، هادئة جداً، لا أبراج فيها، لا أزمات، لا اكتظاظ سكاني، مع أنها لا تنام ابداً .

غالبية بيوتها مكونة من عدة طوابق، تندر فيها الأبراج العالية، شريانها شارع هيوليود بوليفارد، ونجومة التي تصل إلى أكثر من ٢٠٠٠ نجمة ممتدة على مسافة ٥ أميال في كلا الإتجاهين، تجد جميع نجوم العالم في هذا الشارع، لكنك لا تجد عربياً مبدعاً واحداً من بينها كما فيروز، وأم كلثوم وعبد الحليم، ومصطفى العقاد .

لشارع هيولود رونق خاص، فهو مسرح مفتوح للعروض الفنية، الفتى يعرض موهبته بالرقص يجتمع حوله المارة، إلى يمينك فتاة تستعرض موهبتها في الرسم، بالقرب منها شاب يقدم وجبته الفنية في نحت، أخر يمنح الزائرين شيئاً من الكوميديا، على الرصيف المقابل شاب يغني بشكل جميل يسحر المارة بصوته – لا شك هو مشروع نجم قادم – كلاً يقدم فقرته، وعندما تنهي يقوم الجمهور بالتبرع لدعم موهبتهم، بما تجود به أنفسهم، دون الحاجة لدعم الحكومة او النقابات الفنية، فثقافة الفن هنا مجتمعية يتم تقديرها ودعمها وتبنيها.

كذلك، ثمة من يحاكي أبطال الأفلام العالمية بملامحهم وملابسهم، ففي الشارع تجد شارلي شابلن، مارين مارونو، و رامبو – سلفيستر ستالوني – وباتمان، وسوبر مان، وباربي، ومجسمات الرجال الآليين المتحولين، غزاة الكاريبي، مع ميمي و ميكي ماوس وتوم وجيري.

أحد الشباب السعوديين، دخل في استعراض راقص، يسعى اصحابه لإشراك الجمهور في عرضهم لزيادة تفاعلهم، وحثهم على التبرع، من يدخل الدائرة يلفت نظر الجمهور له فيصير بمثابة هدف لإصحاب لفقرة، يجبر على التبرع أكثر مما يتبرعه الجمهور المحيطين بالفرقة، مقابل ذكر أسمه بصوت عالي ليسمعه الجمهور، الشاب السعودي تورط في لعبتهم، فما كان منه إلا أن تبرع ب ١٠٠ دولار – هذه عن المملكة العربية السعودية – صراحة استفزني الشاب، ذهبت اليه، وسألته، لماذا فعلت ذلك، رد قائلا: أريد أن أرفع أسم بلادي عالياً، تعاطيت الصمت هنا، ورحلت، كنت اتوقع أجابة غير ذلك، أهكذا ترفع أسماء الدول ؟

 في الشارع الكثير من المطاعم العالمية ذات الأسعار المعتدلة مثل ماكدونالز، وتاكو بيل، وبيتزا هات، إضافة إلى المطاعم المتنقلة تصطف على جانبي الشارع، من الاستحالة بمكان أن تجد مطعماً يقدم طعما ونكهة عربية لتلك التي تقدمها المطاعم في بلادنا، مثل الفلافل والحمص والشاورما، كلها وهنا التعميم مطلوب مجرد محاولات لم تصل بعد الى استار الكمال والتميز.

الوجوه التي تلقاها في الشارع قادمة من كل بقاع الدنيا، نسبة كبيرة من الزوار صينيين وهنود وفرنسيين، كما يوجد نسبة كبيرة من الزوار العرب تحديدا من الخليج العربي، تميزهم من ملامحهم، و كشرتهم – الكشرة ليست حصراً في الشعب الأردني الذي يضحك كثيراً في الخارج عكس الداخل – التي تغلب على ملامحهم المتجهمة.

 الثيمة التي يحملها الخليجي خصوصاً والعربي عموماً، إن جاء سائحاً أنه هدف مشروع للنصب والاحتيال لذا ترى التردد والخوف يسيطر عليه في مسيره وسياحته، كما انه ينظر الى الثقافة الاميريكية من منظورة الثقافي الديني، لا من خصوصية الثقافة الاميريكية، الذي استغربه هنا ان دول الخليج رغم انها تضم في جنباتها جميع جنسيات العالم إلا أن الشعوب لم تستفيد من هذا الاختلاط، بحيث يسهل عليهم الإندماج في الخارج .

في حوار عابر مع زائر – خليجي – سألته عن رأيه في المدينة، رد قائلاً: أنظر إلى العري الفجور الذي في الشارع، صراحة كنت متوقع الإجابة، فالعربي يريد العالم أن يتحول وفق رؤيته ومشيئته، وثقافته، وعاداته وقيمه، دون مراعاة لعادات وتقاليد وثقافة الدول التي يزورها، قلت له: في اللحظة التي تصف فيها العري، تنشغل عيناك بإستباحة أجساد المارة، وفي اللحظة التي تنقد بها المدينة تذكر أنك ترتدي ( تيشيرت ) موسوما بعلم الولايات المتحدة !

لماذا جئت هنا إذن، سكت، وتهرب من الإجابة، من ثم سألني: لماذا لا تعود إلى بلدك أو لتأتي إلى الخليج لتعمل هناك ! قلت له: يا سيدي، منذ أن دخلت أميركا لم يسألني أحد عن أصلي وفصلي وديانتي، وعشيرتي، وقيمي، وثقافاتي، وأفكاري، لم يجبرني أحد على توقيع أوراق ” الكفالة ” لضمان العمل، كما هو الحال في دول الخليج التي تستعبد – استعباد مقنع – الإنسان ثمناً للقمة خبزه، بشكل لا يتوافق مع القيم والتعاليم حتى الإسلامية منها، نظر لي بطرف عينه وقال بغضب : يا لك من جاهل، أدار ظهره و رحل، فاطلقت العنان لضحكة مجلجة بحزن !

kayasrh@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. Excellent article, very astute way of analysing things.

    Interestingly, the same happens in UK…. and 99% of Arabic visitors are so so predictable in the way the would “judge” the country and its culture.

    On a different note and in confirmation to your comment that no one would ask about ethnicity …. the same happens in the UK…

    I was born and raised in the UK and throughout my life, I was never asked about my ethnicity except by Arabs, Asians and Africans. i.e people from a 3rd world countries…..

    At school, university and work… the same applied… no English, Irish, French or German asked me ever where i am from…

    My guess is that such bigotry would stay with Arabs for generations to come and they would never advance unless they learn to adopt news approach to others.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here