خالد عياصرة: البريء: السلطة والشعب إلى عشاق الحرية والعدالة في كل زمان ومكان أهدي هذا الجهد المتواضع

خالد عياصرة

مقدمة :

بهذه العبارة الافتتاحية أهدى الكاتب وحيد حامد فيلم “ البريء “  للشعب العربي، وكأنه يتنبأ بما سوف يجري لاحقاً.

” البريء ” فيلم منع عشرون عاماً، شُكلت لجنة وزارية لمناقشته، بعد ذلك تم عرضه على الرقابة التي بدورها حذفت بعضاً من المقاطع الرئيسية خصوصاً المشهد النهائي، الذي لخص حقيقة وواقع النظام آنذاك. وبقي كذلك الى أن جاء وزير الثقافة المصري فاروق حسني، ورفع سلطة وسيف الرقيب عنه، وسمح بعرضه كاملاً في عام 2005م

 فيلم “ البرئ “ للمبدع أحمد زكي صاحب دور أحمد سبع الليل، و الكاتب الألمعي وحيد حامد، والمخرج عاطف الطيب.

*احداث

يدور الفيلم حول العلاقة الملتبسة والدائمة، ما بين شخصية المواطن البسيط الطيب الساذج الذي يصدق ما يقال له ( غالبية الشعب ) التي تمثلها شخصية أحمد زكي ( أحمد سبع الليل) ، وبين المثقف الواعي الرافض لأفعال السلطة انطلاقا من دوره  التنويري المؤمن بالحرية الذي يقوم بدوره الفنان ممدوح عبد العليم (حسين وهدان) ، بمواجهة ( السلطة ) بجبروتها وسطوتها التي يقوم بدورها ضابط الأرهاب المُستعبد محمود عبد العزيز  (توفيق شركس ) الذي يرى السلطة بأذنيه ويسمعها بعينيه !!

بداية جميلة، ما بين الأراضي والعلاقة التي تربط ابنها بها، وبين المثقف الذي يحاول تعليم أهلها وتعريفهم بحقوقهم في القرى المغلوب على امرها، ومن ثم انتقال سريع الى المدينة لاظهار الحركة التفاعلية التي نشأت في عقول الأجيال الجديدة الباحثة عن الإجابات الأسئلة المصيرية المحصورة فقط بيد سلطة مرعبة يخشاها الانسان البسيط الباحث عن لقمة الخبز والعيش بهدوء !

المثقف يرى وطنه مجروح يجب علاجه، والمواطن المزارع يراه أرضاً مازالت غيومها وتربتها تحمل في رحمها الكثير من الخير، والسلطة ترى كليهما تهديداً حقيقياً بقائها واستمراريتها، كما تراهم هدفاً مشروعاً ومستباحاً، لابد من ترويض اندفاعها خدمة لمصالحها لا العكس، فهم أعداء للوطن وبتالي أعداء للسلطة ومن يمثلها !

 تشتعل لحظة الحقيقة في داخل الفرد الإنسان ( الشعب) سبع الليل ، بعدما يكشف مرارة حقيقة تم تلقينها وتربيته عليها، يجُلب ( حسين وهدان ) ابن قريته وأستاذه الذي كان سبباً لدخوله القوات المسلحة باعتبارها مؤسسة وطنية فيصير سجاناً وظيفته فقط تنفيذ الأوامر فيصير اداة شعبية بيد السلطة لمواجهة الشعب الذي هو مكون أصيل منه، يدخل ( وهدان ) للسجن إثر مشاركته في مظاهرة طلابية للمطالبة بحقوق الشعب واعتراضاً على جبروت السلطة وقراراتها.

 يُستقبل وهدان وزملاءه بالضرب والتنكيل، صراخ وبكاء، ما أن تقع عينا ابن قريته وتلميذه عليه، حتى يرفض إطاعة الأوامر الصادرة إليه من المسؤولين، السجناء الجدد أعداء للوطن، هذه النظرة الدونية الساقطة لكل من يختلف مع السلطة وأدواتها ! حسين وهدان ابن بلد وليس عدواً، هكذا يصرخ سبع الليل بوجه الظلم، ما الذي جاء بمثقف مثله ليكون فريسة لهروات السجن ؟!

 يأخذ السجان جسده ويلقيه برداً وسلاماً على جسد حسين وهدان، ليحول دون ضربه، يصحو الضمير ويثور في قلب سبع الليل، ينقلب المشهد التلقيني ليصير واقيعاً حقيقياً.

 حسين وهدان ليس عدواً للوطن، بل هو ابن الشعب وابن الأرض لا يجب اتهامه بوطنيته، لا يجب أن تنسج له التهم. فمثله يحيى الوطن لكنه لا يقتله، يضحي من أجله لكنه لا يسلمه، يرفع الوطن ولا يسقطه. يشتعل الصراع، كيف لمن كان أمس وطنياً أن يصير اليوم للأوطني، فقط لأن سادن السلطة وحراسها قرروا ذلك ؟

 تصرف أحمد مع استاذه وحمايته له، لم يعجب الضابط، الذي أخذ الفعل من زاوية كسر ورفض للتعليمات والأوامر، لينتقل سبع الليل من خانة الوطني إلى فضاء للأوطني، تمنحهم القدرة على نسج التهم  حسب مقاس خوفهم ورعبهم، لذا من السهولة بمكان نقل سبع الليل من خانة الولاء التام الى المعارض التام، ليكون السجن مصير محتوم وثمن للحقيقة، وغرفة الاعتقال مكان لتطهير النفس، غرفة تضم في جنباتها سادة الأرض وحماتها.

ينقلب الفيلم رأساً على عقب، يصير المواطن العادي ( سبع الليل ) قائداً لثورة داخلية فردية مضادة تشعل ثورة مجتمعية عامة، تسيُر وتمتد كما النار في الهشيم، ينقلب السحر على الساحر، لدرجة أن المثقف بات عاجزاً عن تفسير أسبابها.

هل هو الضمير الذي استيقظ بعد سبات طويل، أم تراه الفقر، أم هي حركة الشعوب التي لا يمكن الرهان على صبرها قبل الانفجار، أم تراه الظلم الذي تقذفه الأنظمة بوجه الشعوب فيصير الصبر جذوة اشتعال يسقط المقدسات ويستعيد ويبني وطناً جديد ؟ حتى وإن كانت النتيجة موت البطل ( حسين وهدان ) لتعميد طريق الحرية بالدماء، ليصير ايقونة للاستمرار والبقاء.

ثورة النفس

موت سريالي للمثقف حسين وهدان، تغرسه لدغة أفعى، لكنها – أي افعى –  هل هي التي لدغت وأماتت، أم التي ظلمت وتجبرت، فيموت المُعلم في حضن الأستاذ !!

حزن في ملامح سبع الليل، يعيده للعمل، افكار تتفاعل وتتكثف، يحضنها المُعتقل، لكنه عمل تقدم خطوة، بات يحملُ رسالة يؤمن بها ويدافع عنها، فالحقيقة التي تلقيها الأنظمة السياسية بوجه الجنود والأجهزة الأمنية أو في افواههم ليست إلا محض كذب وافتراء، الذين ترهبونهم ويقتلونهم ويستبيحون حياتهم، ليسوا أعداء  ولم يكونوا يوماً ضد الوطن، بل هو وطنيون مثلكم، بل أكثر منكم، يشاركونكم الأمل والهم.

مشهد الحقيقة

يحمل سبع الليل سلاحه الرشاش بيد، والناي الحزين بأخرى، لكنه عندما يرى سيارات موكب المعتقلين الجدد المتوجهين صوب للمعتقل، تثور ثائرته، يُمسك سلاحه ويبدأ بإطلاق النار على الجميع وبشكل عشوائي، بمشاركة زميل آخر له يدعى رضوان الفولي.

 يموت جميع من في المعتقل إلا مُجند واحد، لم يصب بأذى، يمسك أحمد الناي ليشدو لحناً أخير،  يضع سلاحه جانياً كأنه بذلك يعلن كسر قيده ويعلن تحرره سلاسل كذب وعار كبلته حيناً من الزمن.

مشهد الواقع

 مقابل مشهد الحقيقة، كان هناك مشهد الواقع يحمل المجُند “ الفولي “ سلاحه بيده، يبدأ سبع الليل في العزف، يطلق المجند رصاصته صوب سبع الليل فيختلط صوت الموسيقى بصوت الرصاص، تخترق الرصاصات الجسد، ينظر إلى السماء، يبتسم، يصمتُ ويسقط النأي، ويتبعه الجسد، تتحرر الروح، يموت أحمد لكن تبقى الفكرة لتمتد.

 قبل النهاية يسمعُ المشاهد صوتاً حزيناً للموسيقار الثوري – الله يرحمه –  عمار الشريعي بمرافقة الناي:

 دقي على الجدار                                لحد ليلنا ما يتولد له نهار

يا قبضتي دقي على الحجر                   لحد ما تصحي جميع البشر

لحد ما تتفسر الأسرار                             مش فاهم اللي حاصل

 فيلم، يلقي الضوء حال الأنظمة العربية اليوم كما الأمس، إذ يُلقى المواطن ( الشعب) على الهامش، لكنه يسُخر لخدمة السلطة، يتم إقصاء المثقفون ( النخبة ) وتسفيه أدوارهم، وفي بعض الأحيان ابتياعها لفرض رؤية مسيطرة على الجميع.

صحيح أن الحرية مطلب وحق إنساني، إلا أنها تحتاج إلى تضحية، و أدوات لابد من أن تتفاعل فيما بينها، للوصول إلى الهدف المنشود، إلا أن النهاية الحتمية لابد أن تزف نصراً مبيناً، لكن هذا يحتاج إلى تنظيم ومقدرة على مواكبة التفكير، لا الإقصاء والقمع والإرهاب.

وعليه، وبما أن لي أصدقاء معتقلون في غياهب السجون أقول: أبناء الوطن ليسوا بأعداء، يتوجب التخلص منهم أو اعتقالهم أو محاصرتهم أو ترويعهم، بل هم أصحاب وجهة نظر تختلف عن السلطة، يرون الوطن فيها من زاوية أكثر تركيزاً و اتساعاً من ضيق السلطة وخوفها.

هؤلاء هم الأولى بـــ ” الصفقات ” من سواهم، هم الأمل والمستقبل، وطننا بخير، لكن اتركوه بحاله، اتركوه ليعيش.

محبوس ياطير الحق محبوس قفصك حزين ولعين

قضبانه لا بتنطق ولا تفهم المساجين

قضبانه لا بتعرف ولا تفهم الإنسان

ولا الحديد ينزف لو تنزف الأوطان

بين العتمة هنا وبين النور هناك

حبسانى ويا الغنا قضبان على شباك

زنزانتى لو أضيق أنا من ورا السجان

في العتمة بتشعلق حتى على الدخان

وأغنى بدموعى لضحكة الأوطان وأغنى بدموعى لضحكة الأوطان

( عبد الرحمن الأبنودي )

اخيراً: نعم، الحرية أحمد النعيمات، وصبري المشاعلة، ونعيم أبو ردينة،  ولكل من اعتقل بتهم لا تعدو أن تكون صرخة عالية في سبيل الدفاع عن الوطن كلا حسب مقدرته، ما استطاعوا إليها سبيلا.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here