خالد علي عبدالخالق: جدلية العلاقة بين الازهر والنظام السياسي محاولة للفهم

خالد علي عبدالخالق

في كل مناسبة سواء كانت دينية او غير دينية يتطرق فيها الرئيس عبدالفتاح السيسي الي قضية تجديد الخطاب الديني  ؛ الا وتثار بعدها العديد من التساؤلات ، عن دور الازهر في تلك العملية ، وعن طبيعة العلاقة بين الازهر كمؤسسة وطنية لها صفة العالمية وبين النظام السياسي ، وهل قام الازهر بالدور المنوط به ازاء عملية التجديد ، ام ظل ثابت  واقف عند ما ورد في التراث وما ذكره السلف . الامر اللافت والمثير ان البعض تطرق الى امور جانبية وتكهنات جانبها الصواب ، خاصة عندما تطرق البعض الى ان هناك خلاف او صدام بين المؤسسة الدينية الممثلة في الازهر الشريف وشيخه وبين النظام السياسي ، وفي حقيقة الامر فان كل تلك التكهنات والاستنتاجات كانت قاصرة وبعيدة كل البعد عن جوهر الامور والتحليل المنطقي السليم ،  ولعل ذلك راجع الى سببين اساسيين وهما اولا : عدم فهم وادراك لطبيعة المؤسسة الدينية “الازهر الشريف ” وكيفية عملها  ومكانة ووضع الامام الاكبر شيخ الازهر في تلك المؤسسة ، الامر الثاني : الخلط بين ما هو محلي وبين ما هو عالمي ، فالازهر وان كان مؤسسة مصرية – تعمل وفقا للدستور والقانون – الا ان له دوره العالمي ومكانته الروحية  في كافة دول العالم الاسلامي ، علاوة على ان الامام الاكبر شيخ الازهر هو امام “اهل السنة” ، كما لايمكن ان نتجاهل ان الازهر احد دعامات ومصادر قوة مصر الناعمة في ربوع العالم الاسلامي .

 وفي هذا السياق لابد من الاشارة الى انه حتى الدولة الاسلامية التى هي مهد الرسالة و اليها تتوجه افئدة المسلمين في ربوع العالم كله لحج بيت الله الحرام ، وبالرغم من مكانتها الدينية وقوتها الاقتصادية والسياسية الكبيرة ، الا انها عندما ارادت ان تدافع عن الاسلام وتحارب الشيوعية والالحاد لجأت الى الازهر الشريف ؛ ففي بداية عام 1971 اتفق الملك فيصل ملك السعودية، مع شيخ الأزهر وقتها الإمام عبد الحليم محمود، على تمويل الأزهر باعتمادات تصل قيمتها إلى مائة مليون دولار، لكي يتولى شيخ الأزهر قيادة حملة دعوة ضد الشيوعية والإلحاد، ويشير الاستاذ محمد حسنين هيكل ، في كتابه “خريف الغضب” ، إن شيخ الأزهر وقتها وضع برنامجا إعلاميا كبيرا، وكتب بنفسه عدة كتب عن الشيوعية، ثم رتب لترجمة بعض الكتب في نفس الموضوع، كان بينها كتاب “الإله الذي هوى”، كما تم بناء مساجد جديدة وصرفت مبالغ كبيرة على سفر وفود دينية تحمل تلك الدعوة بأموال الملك فيصل، وبمباركة من الرئيس السادات نفسه . كل هذا ينبغي ان يؤخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن علاقة الازهر بالنظام السياسي من جهة ، وعند الوقوف عند دوره السياسي ودوره الدعوي من جهة وعند الحديث عن دوره المحلي ودوره العالمي من جهة اخرى .

صحيح ان الازهر خلال الثلاث عقود الاخيرة وخاصة منذ منتصف السبعينات ، كاد دوره في مسألة الثقافة والفكر والقرآن والتفسير والدعوه يتلاشي نسبيا بسبب زيادة موجة تيارات الإسلام السياسي “الإخوان المسلمين، والجماعات الإسلامية السلفية ” التي كانت تغزو المساجد ، والشوارع ، والقنوات الفضائية في مرحلة لاحقة ، وكل منها ينشر أفكاره المتطرفة التى اسأت للاسلام والمسلمين ، وصار شيوخ تلك الجماعات نجوم ولهم اتباع ومريدين اكثر من اتباع الامام الازهري . فبدأ دور إمام المسجد الأزهري يتلاشى شيئا فشيئا، واصبحت الفتاوى الشاذة الصادرة عن هؤلاء الشيوخ هي الاساس لحراك المجتمع والضابط لمعاملاته الحياتيه ،  وتم اختزال علماء الأزهر في أسماء معدودة كانت تقود الدعوة بين الناس .

الان ومن خلال الدعوات التى يطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي لتجديد الخطاب الديني ووضع تلك المهمة على عاتق الازهر ، انما هو بذلك يرغب في ان يكون للازهر الدور الرئيس والاساسي في عملية الدعوة والتجديد ، لا ان يختزل دوره ويتلاشى لصالح جماعات متطرفة  وتيارات دينية لها مآرب اخرى . ومن ثم، فالعلاقة بين النظام السياسي والأزهر هي علاقة اعتماد متبادل ، الدولة تدرك جيدا احتياجها له معنويا في مواجه التيارات الدينية الأخرى، فوجوده في الصورة دوما يضفي صبغة من “الشرعية” على المشهد، ولولا وجود نظام يؤمن باهمية دور الازهر ومكانته لكانت الجماعات الارهابية وشيوخها متقدمة على حساب الازهر وشيوخه .

وبشكل عام فكرة “صدام” بين الأزهر والدولة بمعناه الواسع ليست مطروحة، فعلى ارض الواقع الأزهر “كمؤسسة دينية علمية” يستمد قوته من السلطة السياسية نفسها التي تستدعى الأزهر للوقوف بجانبها في مواجهة التيارات الدينية المعارضة سواء الجهادية والسلفية ومؤخرا الإخوانية ، هو ما يكسب الأزهر قوه فعليه (لا روحية فحسب) ويكسب شيخها وضعا خاصا في المشهد السياسي، وتجاهل السلطة للأزهر أو تحييده سيجعل شيخ الأزهر عملياً لا يفرق كثيرا عن رئيس أي مؤسسة غير دينية او جماعة .

المتابعة التاريخية الدقيقة لدور الازهر السياسي يلاحظ انه وكما يبدو من رصد محطات خلافه مع اي نظام سياسي في المرحلة التى اعقبت ثورة 23يوليو 1952  لا يتحرك لأسباب عامة (سياسية)، هو فقط يتحرك عندما يتعرض الأمر لصلاحياته وسلطاته الشرعية المكتسبة اي كل ما يتعلق بامور الدين الكتاب والسنة . والثابت تاريخيا أن الأزهر دعامة أساسية للوطنية المصرية، وهو ما يتضح عبر الحركة الوطنية منذ ثورتي القاهرة الأولى والثانية في عهد الحملة الفرنسية أواخر القرن التاسع عشر، مرورا بدور الأزهر مع الثورة العرابية، حيث كان لمشايخ الازهر دور كبير في مواجهة الخديوي توفيق، وكان منهم قيادات للثورة نفسها أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الله النديم، كما كان لعلماء الأزهر دورهم البارز في ثورة 1919 وإعلاء قيمة المواطنة، وإعلان وحدة الهلال مع الصليب. كما بارك الأزهر ثورة يوليو 1952 وأيدها، وفي أعقاب حادث المنشية عام 1954، الذي شهد محاولة اغتيال الإخوان للرئيس جمال عبد الناصر، أصدرت هيئة علماء الأزهر بيانا استنكرت فيه انحراف جماعة الإخوان المسلمين، التي وصفتها بالعصابة الخارجة على منهج القرآن في الدعوة، وجاء في البيان، طبقا لكتاب “الأزهر بين اتجاهين: القومي والإسلامي، ” قد شذ من هذه الجماعة نفر انحرفوا عن الجادة وسلكوا غير ما رسم القرآن فكان منهم تآمر على قتل الأبرياء وترويع الآمنين وترصد لاغتيال المجاهدين المخلصين وإعداد العدة لفتنة طائشة لا يعلم مداها في الأمة إلا الله” .

كذلك في ثورة 30 يونيو 2013 كان شيخ الازهر من ضمن القوى الوطنية التى شاركت وباركت الثورة التى اطاحت بحكم الاخوان المسلمون .

وفي هذا السياق يمكن ان نستنتج ان الدور السياسي للازهر والذي تتحدد ملامحة وتتبلور اشكاله مع كل نظام سياسي يتوقف على ثلاث عوامل  اساسية ، قد تجتمع كلها في فترة تاريخية وتكون بمثابة العصر الذهبي للازهر واحيانا تغيب بعضها او كلها فيكون هناك دور اقل من المستوى المطلوب للازهر ومن ثم فانه يخصم من رصيد المؤسسة سواء على المستوى المحلي او العالمي ، ولعل ابز دليل على ذلك مستوى الاستقبال الذي يحظى به شيخ الازهر خلال زياراته الخارجية الان وبين ما كان يحدث مع الشيوخ السابقين الذين كانوا يحظون باستقبال على مستوى رؤساء الدول . والعوامل هي  :

أ- العامل الأول: هو شخصية شيخ الأزهر من حيث فهمه للواقع السياسي وإلى أي اتجاه يميل انحيازه الفكري ، للمصلحة العامة  أم لمصلحته الذاتية مع النظام السياسي الحاكم .

ب- العامل الثاني: يتمثل في طبيعة السياق الاجتماعي – السياسي السائد، ففي الظروف التي كانت السياسة فيها حاضرة وضاغطة إما بفعل الحروب أو القلاقل أو الصراعات الداخلية أو تعاظم الصراعات الاجتماعية و مشاكل الناس ، كان لا بد للأزهر أن يدلي بدلوه فيما يدور ويتخذ من المواقف ما يتماشى مع سير الأحداث؛ إذ إن المجتمع المصري، كان ولا يزال، ينتظر رأي الدين فيما يجري اجتماعيا وسياسيا. ودائما ما تكون الفتوى الدينية الصادرة عن الشيوخ هي بوصلة المجتمع ونبراسه .

ج- العامل الثالث: يتعلق بشخصية الحكام أنفسهم، فهناك من بينهم من لجأ إلى الأزهر لكسب الشرعية، وهناك من استمد شرعيته من روافد أخرى، هناك من أفسح المجال لعلماء الأزهر كي ينخرطوا في الحياة السياسية، وهناك من أوصد الباب أمامهم تماما، هناك من كان يؤمن بأن للدين رؤية سياسية واجتماعية، وهناك من أراد له أن ينكفئ على أمور العقيدة والعبادة مبتعدا عن الهموم والأحوال الحياتية.

ولما كانت الكلمة فرقان بين نبي وبغي ، فان الاعين دائما تكون منتظرة كلمة الامام الاكبر شيخ الازهر في اي قضية او حدث  ، ولفهم اعمق لمقدار وقدر الكلمة التى تخرج عن الازهر وامامه الاكبر لابد من  أن نفهم أيضا بنية الأزهر نفسه حتى يتسنى لنا تأطير جذور الالتباس  ومعرفة مصدره.  ومن ثم، يجب أن ندرك أن اختزال مواقف “الأزهر” في شخص “الإمام الطيب” هو اختزال مخل يؤثر على تقييمنا للموقف، فشيخ الأزهر رغم مكانته إلا أنه ليس الآمر الناهي داخل المؤسسة الدينية العتيقة منفردا، فهناك كيانين يمكن القول انهم مفاصل المؤسسة اللذان دونهما لن يستطيع الإمام الأكبر التحرك، وهما مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء.

ووفقا للقانون المصري رقم 103 لسنة 1961 (قانون تطوير الأزهر) ، يعتبر مجمع البحوث الإسلامية  هو الجهة المنوط بها تجديد الخطاب الديني وتنقية الثقافة الإسلامية من شوائب التعصب. يضم مجمع البحوث الإسلامية أعضاء يمثلون المذاهب المختلفة، حيث تم انتقائهم من بلدان شتى لإعطاء المجمع الطابع العالمي (20 عضوا من غير المصريين وثلاثون عضوا مصريا) . أما هيئة كبار العلماء، التي تأسست في مطلع القرن الماضي، والتى تلاشى دورها وتم حلها عام 1961 فقد تم إحيائها مرة أخرى في أعقاب ثورة 25 يناير وبالتحديد أثناء إدارة المجلس العسكري للبلاد ، وعدل القانون الخاص بها في 2012 لينص على أن الهيئة هي الجهة المنوط بها البت في الأمور الدينية واختيار شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية. و كان الهدف من ذلك القرار هو تحصين الأزهر من هيمنة السلفيين والعمل على ألا يصل سلفي لمقعد الإمام الأكبر أو يصبح المفتي سلفيا، وهو ما دفع المجلس العسكري ورئيس الوزراء حينها كمال الجنزوري بالتنسيق مع الإمام احمد الطيب لتعديل القانون ووضع تلك الصلاحيات في يد “هيئة كبار العلماء”.   لكن في أعقاب ثورة  30 يونيو وبعد الإطاحة بحكم الإخوان، عُدل قانون الهيئة مرة أخرى وسلب منها أن تكون المرجعية الأولى لكل ما يتعلق بالشؤن الإسلامية وان كان بقي لها حق اختيار المفتي وشيخ الأزهر.

ومن ثم فان الفتوى او البيان الذي يصدر عن الازهر الشريف تعكس موقف كبار العلماء وليس شيخ الازهر فقط .

صحفي وباحث سياسي – مصر

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. تشكر على هذه المعلومات. نعم مازال المسلمون بحاجة للأزهر, كوننا نجد دعاة متنقنعين بالدين الاسلامي وهدفهم سياسي محض وفي كثير من الأحيان يكونون من الجهلة اكاديميا ودينيا وخصوصا بين ما يسمى السلفيين الوهابيين كما ان دعاة الإخوان هدفهم كسب اعضاء جدد عن طريق اشبال المسجد واول ما يلقنونهم بعد الصلاة ان عبد الناصر كافر ومجرم رغم كونه متوفي من 50 ونيف ولا يعرفون من التاريخ العربي ولا الاسلامي الحديث ولا القديم شيئا يذكر, تاريخهم هو من ايام المرحوم سيد قطب وللآن فقط
    هنالك امور جديدة بحاجة الى دراسة وتجديد ومتابعة من علماء الازهر ولكم الشكر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here