خالد الواديبؤرالسرد في رواية “منفى الزرازير”

بغداد – حمدي العطار

كأنني احس بإن الروائي (خالد الوادي) يكثر من العقد السردية ، فهل هو قادرعلى حل كل العقد المطروحة في السردية بشكل مقنع؟ ، فكل عقدة سردية بحاجة الى التخريج ولعل هذا ما يجعل بعض الروايات تبدو في البداية قوية ومقنعة لكن كثرة المشاكل السردية لا تجد لها حلول مقنعة في نهاية الرواية ومن هنا اختفى بعض الكتاب بما يصطلح عليه مفهوم (النهاية المفتوحة).

رواية (منفى الزارزير) الصادرة من دار لارسا سنة 2019 تكشف لنا القدرة التي يملكها الكاتب في تطويع اسلوبه المرن وخياله الخصب القادر على التعبير عن المعاني والمشاعر والاحاسيس،هي التي جعلته يضخ مجموعة من البؤر السردية في بداية الرواية.

ليس سهلا الدخول للنص لأن الكاتب يشاكس الزمن ويتلاعب بالامكنة، وسط بطل (معوق) يحب العزلة كما يحب السينما ويحلم بالجنس مع سعاد حسني، ويعمل في شركة من أوربا الاشتراكية لتكون له علاقات مع الاجانب الاوربين !ويصادق الثائر المجنون (الممثل شاكر) الذي يملك شجاعة التصريح في زمن الصمت وهو على خشبة المسرح يدعو الى ثورة المجانين”انا دون كيشوت الحالم بالعدل، كيف لي نشره بذلك السيف الخشبي،اذن انا مجنون..لكن بالحقيقة أحلم بوطن يشبه تلك العدالة التي افهمها جيدا…العقلاء خائفون لا يقتربون من الجنون .. هل نحن بحاجة الى ثورة مجانين؟أن كان كذلك فلينضم الي كل مجنون لنعلنها ثورة يقودها المجنون دون كيشوت هذا الذي واقف أمامكم”

العوق والعزلة

بؤرة سردية وضعنا فيها الكاتب وهي ان بطله معوق،بقدم واحدة،والاعاقة ليست دائما تأتي بسبب الحروب” إعاقتي ليست بالجديدة أنا لست معاقا بسبب الحرب، لقد ولدت بهذا الشكل رجلا بساق واحدة” ومع ان العوق يولد الحزن لكنه يولد ايضا الحسد، لأنه ينقذ صاحبه من الذهاب الى الحرب العبثية “هل تعلمون أصدقائي ؟أن الكثير من الناس يحسدونني على اعاقتي تلك …أعرف الكثير من القصص رواها جنود عائدون من المعركة أقدموا على تدمير أطرافهم لينجوا من جحيم القتال”ولكن للنقص ضريبته الاجتماعية والعاطفية خاصة في المناطق الشعبية التي يصعب ذوبان المعوق في المجتمع (عروجه تي تي ..هذه أهزوجة بمثابة إهانة وإستهزاء بعوقه تستخدم على نحو واسع في المناطق الشعبية) كما ان العوق من هذا النوع يمنعه من ممارسة اللعب مع الصبيان العاب (الركيضة والختيلة).

*حب السينما

بما أن السينما تشكل عالم مثير يشحن فينا الخيال ويعوضنا عن الحرمان فقد احبها صاحبنا المعوق ووجد فيها السعادة واصبحت عنده عادة وادمان، وتظهر صداقاته القوية برواد صالات العرض حتى وان كانوا من الاجانب (الاوربين) – ناسكو- الذي يعمل في الشركة السوفيتية (شركة كروكوبلكت لاستصلاح الاراضي) والتي ايضا يعمل فيها صاحبنا المعوق حارسا! بعد ان استطاع صديقه قيس ان يجد له عملا معه في الشركة،ومن عرض الفيلم يستطيع الكاتب ضخ المعاني الانسانية “تدور احداث الفيلم عن لحظة مهمة من تاريخ الإنسانية أجمع، إنها لحظة سقوط برلين وانهيار النازية،إنها نهاية الحرب العالمية الثانية” كما ان للسينما دورا في خلق الوعي لديه بعد ان تعرف على الممثل شاكر الذي تحدث اليه “السينما أختيار يجعلك تحلق فوق الواقع،تنظر الى ما هو أسفلك بشكل مختلف، بعين تشخص الخطأ عن الصواب، السينما صنعت الشعوب”

حيوية السرد

لم تفلت الامور من الكاتب وهو يرسم شخصيات روايته المتعددة،والتي تمثل جميع الاتجاهات السردية ،وفي لغة تحمل الغنى والعمق يقدم لنا الاحداث المتعاقبة السارد (المعاق) كما يحلو للكاتب ان يطلق عليه محتفظا بأسمه الحقيقي وقد يكون ذلك متعمدا لكي لا يمثل نفسه فقط بل الاجيال المتعاقبة منذ الحرب الاولى (العراقية – الايرانية) حتى زمن (الاحتلال الامريكي- الديمقراطية الفوضوية)

“مدت يدها نحوي وتصافحنا، واكتشفت أنها تريد امضاء الوقت معي، كنت بحاجة الى الثرثرة، لقد ارهقني الصمت، انطلقنا نتحاور، حوار آخر بين شرقي وامرأة غربية بامتياز، سألتني:

  • من اي بلد انت؟

  • من بلاد الشمس، تلك التي تغمر الامكنة جميعها لساعات طوال ، اشرت لها..

  • انظري ما زالت بقايا قسوتها فوق وجهي

وهنا تأتي ضحكتها ساحرة يتألق وجهها كقمر في تمامه..قلت

  • اليسكا اسم جميل

  • وتبتسم وتسأل:

  • – وانت ما هو اسمك؟

  • – بالحقيقة حين كنت هناك كانوا ينادوني بالمعاق، انظري.. وهنا كشفت عن ساقي الاصطناعية”

بهذه الحوارات بين البطل المعاق وتلك الاوربية التي يهرب الى بلدها بعد المرور ببلد حبيبته بنت محاسبة الشركة الاوربية الاشتراكية (الكاتب لا يصرح باسم او حنسية تلك الشركة الاوربية التي يطلق عليها اشتراكية او شيوعية وكذلك اسم البلد الاوربي الاخر (الغربي) الذي استقر فيه البطل المعاق مع  حبيبته (تاتيانا) لكن يمكن للقارئ ان يستنتج بإن البلد الاوربي الاشتراكي الذي تنمي اليه تاتيانا وكذلك الشركة هي الدولة “احتلتها القوات السوفياتية عام 1944 واعلن قيام الجمهورية الشعبية عام 1946” قد تكون امانيا الشرقية!

*أنواع السرد

لم يقتصر الكاتب على نوع وحدد من السرد في روايته بل هو استخدم احيانا (الحكايات الشعبية) و(الحكايات الخرافية) وشيء من الادوات السحرية ” فهناك علاقة البطل المعاق بالجنيات، وبالزازير، وبالحيات،وعمل امه التعاويذ بالخرز المؤثرة صحيا ،ويتجلى ذلك في اكثر من مكان سردي  يوصف فيه تجمع وعادات الزرازير وكذلك صداقته للحية وهو يطعمها السمكات،وحينما تطلب منه زوجة (ساشو) – فيلا- خرزة تساعدها للشفاء من الطمث المستمر ، يسافر الى حيث امه “تذكرت أمي، تلك السيدة الحريصة دائما على ارتداء شالها الاسود الخشن،ذلك الشال الذي تتدلى من طرفه مجموعة من الخرز الملونة” هو يستغرب ان تطلب امرأة اوربية منه هذا الطلب لا سيما وهي من بلد (شيوعي) بعد ان عجز الطب من إيجاد علاجا لها .

  • هل الخرزة المنشودة معك؟ يسأل امه

  • نعم معي وسأمنحها لتلك السيدة مجانا، أوصيها بني بأن تحافظ عليها، وتعلقها بدبوس بمكان مناسب، وتنزعها ما أن ينقطع الطمث، انها صدقة جارية، لتمنحها تلك السيدة لكل امرأة تحتاجها”

الرواية فيها انتقال نوعي للاحداث والشخصيات، ومراحل تاريخية متعاقبة، فيها توصيف لمرحلة القمع لأجهزة الامن على كل شخص بمجرد الشبهة ويعد البطل موضع أشتباه لصداقته للممثل (شاكر) المعارض الذي هرب من المعتقل، ولأنه يعمل مع شركة تعود لبلد شيوعي،

رد المقموع

 بعد ان تزداد مضايقات الامن للبطل المعاق  يضطر الى الهجرة والهروب لتنتقل الرواية بإحداثها الى اوربا، ومن ثم تعود الى العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري ، عندما يرى البطل المعاق صديقه (شاكر)  اصبح وزيرا للمعرفة ، يقرر الرجوع الى الوطن، فيرى الفوضى والانفجارات والقتل ووصف للبلد في منتهى الدقة والتشخيص والتحولات التي اصابت دور السينما والمقاهي ووضع الارصفة وحتى البشر قد تغير كثيرا .

*الخاتمة

  تأتي لحظات الحسم حينما يلتقي بصديقه وملهمه الممثل المعتقل سابقا والوزير حاليا (شاكر) يقول له :- ما يحدث هو أكبر حجما من تطلعاتنا، والاحلام التي رودتنا فيما مضى كانت وردية للغاية… نحن أضعف من ان نعيد الوطن الى حاضنته الثقافية،لأننا ببساطة غير مؤهلين لذلك، تعصف بنا الخلافات العميقة والانقسامات الغارقة بالجنون، وتهيمن على مشهدنا المصالح الشخصية الضيقة والمساومات التي تحيلنا الى القابلية على الرضوخ والسكوت والموت البطئ.” ويطلب منه الوزير ان يصبح سكرتيره الخاص  “علينا ان  نسابق الزمن … بعدها نغادر الى حيث ما كنا، لا وطن لنا بعد اليوم، اوطاننا غربتنا صديقي” يرفض البطل المعاق هذا العرض “قررت الانسحاب بهدوء،وقررت ايضا الانتهاء من شيء اسمه شاكر، وبالحقيقة انا امام شخص آخر  لا ينتمي لشاكر الذي تسكعت معه في المقاهي ودور السينما، ذلك الذي علمني معنى ان يكون الانسان انسانا” يتركه ليؤسس مشروع (المسرح المعاق) وفكرته تكمن (برفض الواقع)، اما المكان، فكان الاختيار بالقرب من وزارات الدولة، نقيم عروضنا على اساس من النقد الذي يستقطب الناس والمارة والمراجعين”

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here