خالد الهواري: قصة قصيرة ظل الجنرال

خالد الهواري

هل كان في ذلك حكمة ؟ في هذه الايام المشحونة بالصعاب ،وتدني احوال حياة الناس ،وتضاعفت معاناتهم، تبدلت احوال” الجنرال” الذي كان في الماضي يثير السخرية في كل مكان يظهر فيه ،ويستهزء به الناس في الحديث عنه في مجالسهم الخاصة ، استبدل الزي العسكري بالزي المدني واصبح اسمه يكتب بخيوط ظاهره علي البذلات التي كانت تصنع له خصيصا في اكبر بيوت الازياء في اوروبا، بدا الان في مشيته واثقا من نفسه ، وكأنه يريد ان يوحي للجميع انه شخصية استثناءيه ، أو من صناع التاريخ ،وكانت مشاركته في الحرب كقائدا لاحد قطاعات الجيش هي الصفة الوحيدة التي توسع الاعلام الحكومي في ابرازها في كل مناسبة، وتغني بها الشعراء لمنحه شرعية الحكم بسببها ،وتمنحه التميز عن الاخرين.

 اصبحت لديه القدرة الان بعد ان مر بتجربة امتلاك السلطة الكاملة ، واصبحت شخصيتة التي كانت ترضي في الماضي بمجرد نظرة الاستحسان، تستريح الان للنفاق والمديح وتنتظر دائما المزيد، تعاظمت ثقته في صلاحياته، واصبح قادرا علي المواجهة ،والحديث في وساءل الاعلام لساعات ، وله رجال يديرون امور الحكم من داخل اروقة الحزب السياسي الذي يترأسه، وفرض وجوده علي الجميع بالسيطرة علي الاجهزة الامنية ، والاغلبية المطلقة في البرلمان، وبرز دور زوجته في مؤسسات المجتمع المدني والنشاط الثقافي، وكانت بعد ان منحوها لقب سيدة البلاد الاولي تعمل بوضوح داخل جميع مؤسسات الدولة علي تمكين ابنه من وراثة الحكم ، وتشكيل كيان سياسي واقتصادي خاص به، ولم يعد الجنرال الان يهتم بمحبة الناس التي كانت تكفيه منهم في السابق مجرد نظرة استحسان، اتسعت المسافة بين عالم المتنعمين في ظل “الجنرال” ورجاله المحسوبين عليه وغالبيتهم من فلول مراحل الحكم السابقة، ومن الذين  يجلسون علي كل الموائد ،ويمدحون كل العصور، ونحن الذين نذداد تدني بوحل القاع ،ولم تعد لدينا القدرة علي مجرد التفكير في تغير الواقع.

ولم يكن من المستغرب ان يشهد الناس اختلاف ملامح وتناقض ملابس الذين يتوافدون لزيارة البلد التي عانت لسنوات من العزلة عن محيطها وانتماءها العربي بسبب المقاطعة، والحصار الاقتصادي، الذي فرض عليها من الدول التي اطلقت علي نفسها دول المقاطعة في عهد الجنرال السابق الذي احرق اوراق الحرب ، ودعا للسلام، ومات من اجله، وبدأت مرحلة جديدة عرفت فيها الناس اسماء العملات المالية المختلفة، الدينار العراقي وبعد ان سافر ملايين المصريين الي العراق اصبح من الطبيعي ان يطلقون علي ابناءهم اسم صدام”، وتباركت قرية غالبية ابناءها سافروا الي العراق وساهموا في توسيعها اجتماعيا وتطويرها حضاريا ان يطلقون عليها قرية “صدام ” واصبحت قرية معترفا بها رسميا بهذا الاسم، والدينار الكويتي والريال السعودي يتصدران لوحات تغيير العملة في البنوك الرسمية والخاصة، ومكاتب الصرافة التي توسع في افتتاحها المنتميين الي جماعة الاخوان المسلمين، واقيمت مدن سكنية جديدة، واصبحت هناك ميادين ومطاعم تحمل اسماء الملوك والامراء العرب، وانتشرت البوتيكات التي تبيع شرائط الكاسيت الدينية ،وملابس المحجبات والمنقبات التي تتشابه مع ملابس نساء الدول التي سافر اليها العمال المصريين، وجلبوها معهم عند عودتهم مع الفكر الديني المتشدد، وبرزت ظاهرة الشقق المفروشة التي لم تكن معروفة في المجتمع من قبل بهذا الانتشار>

واختلفت وتنوعت الحكايات عن الاسرار التي تحدث خلف ابوابها، وبوابين العمارات الذين تحولوا الي سماسرة يساومون البنات لقضاء اوقات لترفيه مستأجريها، ظاهرة الزواج العرفي التي انتشر بين الشباب في الجامعات ، وكأن هناك خطة مدعومة لتفريغ المجتمع من الاخلاق لدفع الشباب للارتماء في أحضان التيارات الدينية المتطرفة ، لافتات الاعلانات عن المدن الجديدة، والمستشفيات السياحية اصبحت تملآ الشوارع، وتنعكس بأضواءها الملونة علي اوجه الذين يمرون بجوارها وهم جياع وبالكاد يسترون انفسهم بالملابس المستعملة التي تباع علي عربات اليد في كل الميادين ،ويتزاحم الناس من جميع الاعمارعلي شراءها، وعقود العمل في الخارج التي باعت الناس اثاث البيوت وكل ماله ثمن من اجل الحصول عليها، ومكاتب تسفير العمالة الوهمية التي نهبت اموال الحالمين، ورغم كل الغرابة ، والمسافة الوهمية التي تفصل بين العالم الذي تراه من حولك في المباني النظيفة، والوان حمراء ، وزرقاء ، تملآ فاترينات المحلات التي لاتجرأ علي مجرد الاقتراب منها، والسيارات الحديثة مختلفة الماركات والالوان التي تقطع الشوارع ليل نهار، والحدائق الزاهرة بالالوان التي تحيط بالبيوت التي تكتمل بهجتها ، واهميتها بالوجود الابدي للدكة الخشبية يجلس عليها البواب الذي يستقبل القادمين بابتسامه ثابتة لاتتغير كانها مرسومه علي وجهه، والشرفات التي تفوح بعبق النساء، والخارجين عند الفجر من الفنادق يثرثرون باسرار كل مادار في ليل طويل، واشياءهم الحميمه التي تركوها مبعثرة في الحمامات وسط دفئ انفاس النساء، واعينهن المنتفخات من السهر، وانحراف المدارات الاف الاميال الي الشمال في الشوارع التي تظللها الاشجار الكثيفة ،واعمدة الانارة التي تختصر المسافة بين الليل والنهار، حتي ساعات الليل والنهار في عالمهم كانت تختلف عن عالمنا نحن الذي تسيطر علينا العتمة ، واكوام القمامة ، وبرك المياة الراكدة ، والكلاب الضاله التي تطارد الناس ليل نهار ، وتحرم عليهم الخروج من البيوت بعد مغيب الشمس، نحن المتهمين دائما بعد كل كارثة تحدث حتي ان كانت من الكوارث الطبيعية بدون اثبات، لاتمر ساعة في وساءل الاعلام بدون نتحمل نحن كل الكوارث، والحوادث التي تحدث في اي مكان في طول البلاد وعرضها واتساعها.

ونحن الغرباء المنفين في داخل الوطن بدون جريمة، امامنا كل شئ، ولانمتلك غير الحسرة، وارتباطنا بهذا الواقع لايعدوا اكثر من تشابه في الانتماء لمدينة واحدة شوارعها اصبحت بالنسبه الينا اشبه باسواق النخاسة التي تباع فيها انسانيتنا مجانا، تشابه في الانتماء لبلد واحد لايعترف بوجودنا غير في ايام الانتخابات التي نؤدي فيها دور الكومبارس ونتائجها المحسومة والمعروفة سلفا ، ليس لنا فيها اكثر من الصور التي تنشرها الجرائد للطوابير التي تشكل كثافتها امام اللجان الانتخابية المشاركة الوهمية للشعب المطحون في رحي الازمات بجميع أنواعها ، نسير جنبا الي جنب مثل الكلاب الضاله التي تجوب الشوارع تبحث عن البقايا ، ويكفيها ماتعثر عليه من الفتات عن طيب خاطر، ولانمتلك شيئا  ،في هذه الطبقية الاجتماعية التي فرضت وجودها علينا ، الواقع الذي يمتلك مقومات بقاءه الدائمة ، ويستعصي علي التغيير، طعم الماء مالح يطفح علي اجساد المتزاحمين علي مراكزغسيل الكلي، والخبز مالح قد اسودت منه الوجوه وترهلت تجاعيدها في النصف الاول من العمر، كنا نحن الذين نعيش في زمن اخر منبوذين خارج اطار هذه اللوحة الاجتماعية الظالمة ، مثل عربة تجرها اربعة خيول في جميع الاتجاهات في وقت واحد، ممزقين الاشلاء ، وفاقدين ادني الحقوق الانسانية، لااقتصاد، ولاصحة، ولاتعليم، ولا أمان في الشارع،  نشعر بالمنفي والاغتراب حتي داخل جدران منازلنا، تغيرت عاداتنا ، والتقاليد الراسخة في تاريخنا، واصبح من النادر ان تجتمع افراد العائلة جميعها معا اكثر من مرة واحدة في الشهر، نمضي في التعاسة وقد حجبت العتمة رؤيتنا ، فلم نعد نعرف موضع نضع فيه اقدامنا علي الطريق ونحن راضين بقناعة تامة ونمهد الطريق لمن سيأت بعدنا، سنورث للفادمين ماتوارثناه نحن ايضا من اباءنا المنكسرين، وجميعنا ننظر بعين الريبة الي الآخر، من كثرة اوجاعنا علي الذين فقدناهم بالوشايات والتقارير الكاذبة، اصبح الشك هو مدينتنا المغلقة علينا، هو جراحنا التي تتجدد مع مطلع كل صباح علي صوت اليتامي الذين فقدوا اباءهم في العبارات المتهالكة التي انتهت صلاحياتها وغرقت بهم وسط البحر، اوعمال التراحيل، والباعة السريحة، وماسحي الاحذية الغلابة المحترقين في عربات القطارات وهم في طريق عودتهم لزيارة ابناءهم في اقصي الجنوب، او المذبوحين الذين عادوا من غربتهم بعد فارقوا بسببها الاهل ، والابناء ، لسنوات نسيوا خلالها ملامح ابناءهم ،وحرموا انفسهم من رائحة نساءهم، ليطاردون تحقيق الحلم بمجرد الحياة الكريمة، ثم عادوا مجرد اشلاء لجثث هامده في الصناديق ، واستولت الدولة علي مستحقاتهم وقدمت لابناءهم الوعود التي لم تتحقق عن استعادة المستحقات ، والاخرين من المعتقلين الذين تكفل بهم حراس السجون وبعد ان سفكوا دماءهم في غرف التعذيب قد عثروا لهم علي مقابر في الصحراء تخفي جريمتهم، ووصل بهم اسنخفاف العقول واحتقار المجتمع ، ان اعلنوا عن بعضهم انهم هاربين من السجون ،وخصصوا المكافأت المالية لمن يساعد في القبض عليهم، حرموهم من مجرد ان يعرفون مصائر ابناءهم ويترحمون عليهم، هو الدمار الذي يمر في احلامنا بالشعارات التي تملآ جدران الشوارع لصور “الجنرال” صانع الاستقرار .

والانجازات التي لانراها ولانشعر بوجودها غير في الحديث عنها علي شاشات الاعلام التي تخضع لمراقبة جهاز امن الدولة، وفي الصفحات الاولي في الجرائد التي يتلقي الصحفيين العاملين فيها رواتبهم الشهرية من الحكومة، وتدعمها الدولة بميزانية من الدخل القومي علي حساب المصالح ،والاحتياجات الاخري الاكثراهمية، الشك ، والخوف ، هم الحراس الثابتين علي ابواب قلعة احلامنا البسيطة التي علي الرغم انها الحقوق الطبيعية للانسان، فقد تحولت في ازمنة الظلم ، والطغيان ، بالنسبة الينا ليست فقط مجرد احلام صعبة التحقيق ، بل معجزات خرافية، هوغبار ودهاليز المعتقلات الذي يطمس اسماءنا التي لايعترف بها احد، وملامحنا التي اصبحت تعدوا غريبة عن عالم لايعترف بوجودنا ويهرب من رؤيتنا، هو قطع القطن الملوثة علي اجسادنا في المستشفيات الحكومية ،وصرخة امراة تعرضت للتحرش بها في طوابير افران الخبز، او وسائل المواصلات التي تحرق الاجساد نفسها فيها كقرابين رخيصة ومستباحة، والاطفال الجياع المشردين الخارجين منذ اول الصبح من تحت الكباري ليبيعون بضائعهم الرخيصة، المناديل الورق، علب الحلوي، والبسكويت، يلوحون بالفوطه الصفراء ويمسحون زجاج السيارات في اشارات المرور ، وتهشهم الايدي الي زمن بعيد اخر، نتحول الي مسخ في زمن كل شئ فيه يكسرنا، اينما ولينا وجوهنا ، هو ذاته قائم علي حالته، نصف الاله الجالس علي خزائن الله في الارض يوزع الارزاق وحظوظ الناس كما يحلوا له، يقرب من يشاء ، ويهش من يشاء خارج ملكوته ، كترنيمة الصلوات الجنائزية للعائدين في اخر النهار من الحقول والبساتين يرتمون باجسادهم المنهكه من التعب علي اول جدار يصادفهم، غامض في مكنون احواله المتغيره، له نفس المعني ذاته كوحش باربعة رؤوس، يمنح نفسه لحفيف اثواب تبادل النور والعتمة، فتأخذه النائحات خارج اطار الازمنة المفقودة مصلوب علي صليب الغول والنداهة، محتشدا في غمرة وهج الظلال المتوهجة من فرط النشوة، فيمحوا بعضه بعضا، المدي سوسنة، وزرقة البحر هادئة وممتدة الي مالا نهاية، المسك ،والعنبر ،والتين والزيتون، والرمان، اهازيج القوافل المنكسرة الي الجنوب، ظلال الجبال والسيول والبحيرات، علي كل هوامش الاساطير التي توارثناها ان الحفلة سوف تنتهي ببطئ. في هذا اليوم او ذاك، في طرف قوس قزح، هو ذاتة “الجنرال ” مهابا يجر الارض في ثقل خطواته ، ومن كثرة الاوسمة والنياشين المبعثرة علي صدره علي الرغم انه قد خسر كل الحروب التي خاضها،  لازال لديه القدرة ان يضاجع التائهين من انفسهم في مسالك العدم، المرتحل بين ردهة واخري في اروقة التاريخ مبهرج بانتصاراته الوهمية ، وملابسه المزركشة ، وملعون في حكايات البؤساء ، واعتصامات العمال، وقهر الرجال امام ارتفاع الاسعار ،وثبات الاجور، وازمة مصاريف المدارس، وقدوم شهر رمضان، وشراء ملابس العيد، يتشكل في الف وجه ووجه، احيانا مثل سنبلات القمح الفاسد التي كانوا يعلمون انها فاسده ولكنهم من اجل العمولة والسمسرة جلبوها ، فمزقت امعاء البسطاء ولم يحاسبهم احد، واحيانا اخري مثل الوحش الاسطوري باربعة ارجل في كمائن المرورعلي الطريق يسأل الناس عن الالغاز والاحاجي ويفرض الاتاوة غلي عربيات النقل التي تخالف القانون بأحمالها المضاعفة وتتسبب في عشرات الحوادث التي تحصد الارواح في كل يوم ،ويتقاضي الرشوة من مخالفين القانون والمتعدين علي سلامة الطريق.

للقصة بقية

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. اصبح الشك هو مدينتنا المغلقة علينا، هو جراحنا التي تتجدد مع مطلع كل صباح علي صوت اليتامي الذين فقدوا اباءهم في العبارات المتهالكة التي انتهت صلاحياتها وغرقت بهم وسط البحر، اوعمال التراحيل، والباعة السريحة، وماسحي الاحذية الغلابة المحترقين في عربات القطارات وهم في طريق عودتهم لزيارة ابناءهم في اقصي الجنوب، او المذبوحين الذين عادوا من غربتهم بعد فارقوا بسببها الاهل ، والابناء ، لسنوات نسيوا خلالها ملامح ابناءهم ،وحرموا انفسهم من رائحة نساءهم، ليطاردون تحقيق الحلم بمجرد الحياة الكريمة، ثم عادوا مجرد اشلاء لجثث هامده في الصناديق ،
    اصبت كبد الحقيقة

  2. كم انت مبدع مناضلنا وأدببنا والكاتب الصحفي أستاذ خالد الهوارى

  3. احتار دائما عندما اريد ان اكتب تعليقا على ابداعك كل ماتكتبه هو فسيفساء من الوان الحروف تتشكل بين يديك الى لوحة جميلة , برغم الخسارة الكبرى لوجود قامة ادبية مثلك خارج مصر , الآ انه ايضا ادب المهجر وادباء المهجر ساهموا الى درجة كبيرة فى الادب العربى , وقدموا للمكتبة العربية كنوز الفكر والادب , والكاتب خالد الهوارى واحدا من هؤلاء الذين يتقلون تجربة حياة الادباء فى المنفى ومشاعرهم الجياشة لبلدانهم التى اخرجوا منها بسبب السياسة وظلم الانظمة الفاشية , خالد الهوارى كاتب يساهم فى اعادة تقييم الذوق العربى للادب بعد حالة الفوضى التى تجتاح عقولنا بسبب انصاف الموهوبين المفتقدين للموهبة وللمسؤلية , وهم للاسف المسيطرين على كل منافذ النشر والصحافة فى الامة العربية , من متابعتى للهوارى اضعه فى مكانة من يعيد احياء الذوق والحس الادبى

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here