خالد الهواري: الفراشات الملونة

خالد الهواري

قبل منتصف الليل بألف عاما وعام من اعوام  انكسار مدارات الريح الي منتصف دائرة الشمال  في منتهي عتمة بئر يوسف , وقبل ان اتأكد من انتهاء  الالف عام الاولي من ازمنة جمع شتات ازوريس من اعين النائمين في عتمة الكباري ، وفي اشارات المرور يبيعون بضائعهم الرخيصة والبسيطة ، ويلوحون بالفوط الصفراء ، فتهشهم الايدي الي الزمن البعيد الآخر، وكأنهم نبتا شيطانيا نبت من قسوة الجوع والحرمان في الاحياء العشوائية ،فتسحقهم احذية جنود الامن المركزي السوداء الثقيلة  وهم يطاردون امرأة فقيرة سرقت قطعة من تراب الوطن وفردت عليها قطعة من الخيش المبلول لتبيع الليمون والبصل الاخضر ، حاولت جاهدا ، او هكذا تخيلت ، انا المجهول  بعد ان سرقوا هويتي وانسانيتي في ازمنة الجوع والحسرات ،وضللتني تشابه الدروب في اروقة المثقفين الكاذبين الضاربين علي الدفوف في حضرة مولانا الخليفة ،ان اقتبس ومضة الروح قبل ان تنطفئ ذبالة بهجة مرور الجوزاء ، وهي  حافية القدمين ، متورده الوجنتين، في شبق اسطوري علي حافة مدارات انتهاكات الكون لاناشيد طوابير المدارس التي فقدت بهجة طفولتها بغياب من عجزوا علي تسديد مصاريف الدراسة  ، وصوت جارتي الصغيرة “منيرة ” ، وهي تمر من امام نافذتي بالزي المدرسي  الرمادي ، والجوارب البيضاء المشدودة حتي ركبتيها، وضفيرة سوداء مربوطة بشريط ابيض تهتز علي ظهرها الغض، وباعة الجرائد ، ووشيش رائحة الطعمية في الزيت الساخن , وابتهالات “ام نعمة بائعة ” الفول النابت ممزوجة بدفئ قدسية  صوت الشيخ النقشبندي  المتسلله من خلف النوافذ  المغلقة علي اوجاع ساكنيها .

كنت  انهض داخل معطفي الشتوي ،هاربا من البدلة الزرقاء المحفورعليها باللون الابيض رقم تلاشت الوانة من كثرة النوم علي بلاط الزنزانة العاري  ، وطاقية من نفس نوع القماش تواري سوءة الجرح القديم  ، كنت اقاوم لهاث الزمن مكسور الظهر ، وانا انهض علي مراحل من عمق وجع حمئ الطين المسنون ،اعيد قراءة الرسائل القديمة التي كتبتها  ولم يقرءها احد ، فتحولت الي فراشات ملونة تحلق في اتساع زنزانة صغيرة في الطابق الاول في معتقل القلعة،  كنت استمع ببهجة طفولية الي صوت كسرة الخبز وهي تعانق حافة طبق العدس الاصفر ،انتظر مرور السجان ليحملني علي محفة من ازمنة الغول والنداهة الي غرفة التعذيب ،وكأنني مثل تلك القطرات التي كانت  تتساقط من ورقة شجرة خرافية تسكنها بنات الاساطير ذات الوجوه التي كانت  تتشكل في سنوات الصبا الاولي  علي هيئة طائر طفولي متوهج ، مايقارب ثلاثة وعشرين عاما , منذ ان عادرت اسطح البيت الذي كنت اتسكع عليه بنزواتي الشبقية ,واتلصص  علي بنات الجيران ، انهض , فاتساقط مثل ورقة شجر عبثت بها الريح  , ولكنني حتي الان لم اتحول الي نهر.

علي مقهي صغير يقدم النبيذ الرخيص في برشلونة , ويفوح برائحة التبع المهرب في جيوب بحارة البرتغال  ،وفي العام الاول من سنوات المنفي الاولي في البرتغال قبل مرور الزمان  الي  منتهي اقاصي الشمال ،في  الملاذ الاخير في غرفة صغيرة في مدينتي “فلين”  تحلق علي نوافذها الطيور، اخذتني “ايفون” بنت الثالثة والعشرين من العمر , والتي اكتشفت فيما بعد اتها بائعة ورد في محل صغير في الميدان  فعرفت سر رائحة الياسمين التي كانت تفوح منها , اخذتني معها الي بيت امها في الريف , وعلي جذع شجرة كافور عتيقة , اخرجت من حقبتها الجلدية بنية اللون , مبرد صغير لتقليم الاظافر , وحفرت علي جذع الشجرة لماذا تأخرت ايها الربيع

Print Friendly, PDF & Email

19 تعليقات

  1. وبعتنا مع الطير المسافر جواب وعتاب
    من ارض اجدادي وزهرة من الوادي
    يمكن يفتكر المسافر ان له في بلاده احباب

  2. لازالت مصر لم تتغير نفس الظلم وفقدان العدالة الاجتماعية وسيطرة الفاسدين
    رحم الله مصر

  3. الاحترام والتقدير الي قلمك الحر وشخصك المحترم الاستاذ خالد الهواري

  4. كنت انهض داخل معطفي الشتوي ،هاربا من البدلة الزرقاء المحفورعليها باللون الابيض رقم تلاشت الوانة من كثرة النوم علي بلاط الزنزانة العاري ، وطاقية من نفس نوع القماش تواري سوءة الجرح القديم ، كنت اقاوم لهاث الزمن مكسور الظهر ، وانا انهض علي مراحل من عمق وجع حمئ الطين المسنون ،اعيد قراءة الرسائل القديمة التي كتبتها ولم يقرءها احد ، فتحولت الي فراشات ملونة تحلق في اتساع زنزانة صغيرة في الطابق الاول في معتقل القلعة، كنت استمع ببهجة طفولية الي صوت كسرة الخبز وهي تعانق حافة طبق العدس الاصفر ،انتظر مرور السجان ليحملني علي محفة من ازمنة الغول والنداهة الي غرفة التعذيب
    الحمد لله الذي اخرجك حيا من قبضة الطغاة

  5. وحشت مصر استاذ خالد الهواري
    انا اهديتك علي الفيس بوك اغنية علي بالي يابن بادي

  6. نص ادبي يواجة الظلم الاجتماعي لكاتب محبوب يحظي بمحبة الاف القراء علي مواقع التواصل الاجتماعي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here