خالد الهواري: السيارة الفورد الزرقاء

خالد الهواري

” فعندما يعيش الانسان في مجتمع لاتأكل فيه الناس حتي تشبع، في نفس الوقت الذي يمرض فيه الفاسدين واللصوص بمرض التخمة، حينئذ ستنتابهم الكثيرمن المخاوف ،ويقدمون احد الارجل ويؤخرون الاخري قبل ان يخرجون الي الشارع، تعبث بهم المخاوق من تربص رجال الامن السريين المندسين بينهم يتنظرون مجرد هفوة او كلمة غيرمقصودة، يتحسبون ان يسقطهم سوء الحظ تحت سطوة بلطجي او قطاع الطريق، في مثل هذه الحالة ينحوا الكرامة جانبا في مقابل الشعور بالطمأنينة مرتفعة الثمن”

أتذكر ماحدث فى هذه الليلة التي اصبجت بعيدة الان لانها قد حدثت قبل ان اسافر بسنوات، كنت اعرف اننى لن انام، كان كل مايحدث معى خارج عن ارادتى، كنت مفصولا عن نفسي ولااملك القدرة علي اجتياز اختيار ان أقبل المرور بهذه الحادثة ولااتوقف امامها ،مثلما يفعل الاخرين ،ولاتؤنبهم ضمائرهم ،او أرفض واظل اعاقب نفسي علي انني كنت شاهدا عليها، اشياء كثيرة غير مفهومة كانت تشوش على عقلى، واشعر بقبضة قوية خفية تقبض على قلبى بقسوة تسبب لي الشعور بالغثيان، كانت حالة ضبابية صعبة علي التفسير تسيطر على عقلي وجسدي منذ ان رأيتهم وهم يقفزون من صندوق السيارة الفورد الزرقاء وينهالون بالضرب على الدكتور “مصطفى يوسف ” ثم يسحلونه ويجرونه من يديه على الارض حتى سال الدم خيوط متقطعة من فمه وتعرى قميصه وفقد حذائه، قبل ان يحملونه بطريقة تعمدوا ان تكون مهينة ويلقوا به فى صندوق السيارة وينطلقون بهدوء وكأن شيئا لم يحدث، الدكتور مصطفى،  في ذلك اليوم لم يكن قد مضى على عودته الى مصر اكثر من ستة اشهر من المنفى الذي اجبر عليه، كان يساريا معروفا وله نشاط سياسى بارزا في الجامعة والندوات الثقافية وتجمعات العمال، ومتحدثا تحترم كلماته في الندوات السياسية التي تسبق الانتخابات، من يتذكرونه يصفونه بأنه شخصية فريدة من نوعها ذو قيمة فكرية وبحثية عظيمة، عالم فى السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، وله مؤلفات كثيرة عن الاشتراكية فى مواجهة الرأسمالية صادروها من المكتبات واكشك بيع الكتب بمجرد صدورها لانها كانت تناقض التوجه السياسي الجديد للنظام بعد اتفاقية السلام ،والدخول الي عصر الانفتاح، عن الطبقة العاملة وازمتها مع الانفتاح الاقتصادي، وبيع مؤسسات القطاع العام , وتدني الأجور ، عن تداعيات الاعلام الموجه ، وتراجع دور مصرعلي المستوي القومي وهجرة العمالة المصرية المدربة والكفاءات الماهرة، عن تجارة السوق المفتوحة والاقتصاد الحر، ومع ذلك وبناءا علي تعليمات وخطة امنية نفذتها وساءل الاعلام علي اكمل وجه من التواطئ والتلفيق تم التعتيم عليه، وظل غير معروفا للاجيال الجديدة التي لم تعاصر وجوده فى مصر، وهو في منفاه في الاتحاد السوفيتي منعوا الجرائد من نشر كتاباته ،او ترجمة مقالاته التى كانت تنشر فى الصحف العالمية، نجحوا فى التعتيم على سيرته العلمية وابحاثه التي كانت تناقش في الندوات في عواصم عالمية كثيرة، و كان منذ خمسة وعشرون عاما قد اصدر الدكتور مصطفى كتابه عن النقد العلمى للنص المقدس، كانت قضيته الاساسية هى تطوير الخطاب الدينى الذي خضع للجمود الففهى لاكثر من عشرة قرون من الزمن لاسباب سياسية واقتصادية اكثر من كونها تعاليم دينية، قناعته الفكريه، ان المرأة تعرضت للظلم فى النظام الاجتماعي بسبب الفهم الخاطئ للفقه الدينى بعد المتغيرات الانسانية وتطور المدنية التى طرأت على العالم خلال القرن الماضي وان الاسلام قد كرم المرأة, ولكن هؤلاء الذين تسيطر عليهم الافكار الذكورية قد تعمدوا التعتيم علي التكريم الديني للمرأة مما اظهر الدين نفسه بشكل لايستحقه وانه يخالف حقوق الانسان والمواثيق الدولية

 قال :

ــ لم تعد المرأة هذا الكائن الذي يعيش على هامش المجتمع الذكوري وقد كان لها مشاركات في جميع مجالات الحياة في عهد النبوة وفي الغزوات ،

ليست المراة نجسا لتفسد طهر الرجل اذا مرت من امامه وهو في للصلاة، وليست مجرد جسدا منزوع الكرامة وليس لها دورا في الحياة فهي مخلوق كرمها الله وخلقها مثل الرجل في احسن تقويم وكان يعطي الامثلة عن دورها في حياة الرسول تؤكد ان المراة لها عقل يفكر، وكيان يحترم ولها

كرامتها وانسانيتها ، وليست نصف رجل بالمفهوم الذي قد فهمه الجهلة وبمجرد ان اصدر كتابه، اندلعت نار حرب شعواء فى المجتمع قادها رجال الدين الذين كانوا فى ذلك الوقت يساومون النظام على شرعيته على صفحات الجرائد التي يسيطرون عليها، ومن فوق منابر مئات من الزوايا الصغيرة الخاصة بهم والمغلقة عليهم وعلي افكارهم وحدهم فى الاحياء الشعبية المكتظة بالسكان وتعاني من تهالك البنية التحتية وازمات اقتصادية تجعلهم ساخطين علي المجتمع، وهي زوايا يسيطر عليها تيار دينى سلفى لاتخضع لسلطة النظام ولامراقبة من وزارة الشؤون الدينية والاوقاف وربما أيضا لايعرفون اماكن تواجدها خاصة بعد انتشار الاحياء العشوائية التي اعتبر انا واحدا من سكانها، توحدت كل التيارات الدينية على اختلاف مذاهبها ضده حتى ان الازهر الشريف الذي حاول كثيرا ان ينحي بنفسه عن الموضوع في اول الازمة التي كانت تتصاعد يوما بعد يوم، واراد ان يظل يحافظ على منهجة الوسطي ماسكا العصا من منتصفها مثلما كان دائما خلال تاريخة الحديث لم يجد فى نهاية المطاف بعد تفاقم الازمة اعلاميا غير ان يدخل المعركة ويعلن ان الدكتور مصطفى حسب احكام الشريعة الاسلامية يعتبر مرتدا عن الاسلام ويدعوا الى تعطيل الاحكام الدينية التى اتفقت عليها جموع علماء الامة الاسلامية عبر التاريخ، بل ان الازهر ونتيجة للضغوط الشديدة والاتهامات التي طالت ائمته، دعا الى التفريق بينه وبين زوجته المسلمة باعتبار انه قد خرج عن ملة الاسلام، وفي هذه الحالة لايجوز له الشرع استمرار زواجه من امرأة مسلمة، حاصرته الجماعات الدينية فى كل مكان يذهب اليه او ندوة يتحدث فيها، سلطوا عليه الطلبة من اتباعهم داخل الجامعة يستهزؤن به ويقاطعونه وهو يلقي المحاضرات، حتي ان بعض سائق التاكسى في الطريق عندما يقتربون منه ويعرفونه يرفضون ان يتوقفون، ضاقت الدنيا من حوله وبعد ان شعر ان الدائرة قد اغلقت من حوله تماما لم يكن امامه غير ان يرحل من مصر بمساعدة عدد من المثقفين المتنورين ، او كما تردد وقتها وقتها في المجالس الخاصة ان الاجهزة الامنية قد سهلت خروجه من البلد لايجاد نهاية للازمة، وظل في منفاه لاكثر من خمسة وعشرون سنة ، وعاد اليها شيخ كهل ليعيش ماتبقى من عمره فى شقتة المتواضعة ,نفس الشقة التى عاش فيها مع زوجته، وبعد خروجه من مصر ، لم تنجوا زوجته دكتورة “كريمة” هي الاخري من الهجوم عليها في كل مكان لتمسكها بزوجها والدفاع عن افكاره التى يؤمن بها ، ويدعوا اليها بمقالات كانت تنشرهاعلى صفحات جريدة يسارية، بعد رحيله بفترة قصيرة عقدت مؤتمر صحفي ، واعلنت امام الصحفيين وممثلين جمعيات حقوق الانسان رفضها ان تستجيب لدعوة الازهر التفريق بينها وبين زوجها ، واكدت ان حكم المحكمة لايعني عندها اي تقدير، وانها تصر علي تمسكها به، وصرحت انها حاولت ان تسافر وتلحق به ، ولكنهم منعوها من السفر ، واحتجزوها في غرفة صغيرة داخل المطار ، ولم تكن تعرف او يخبرونها انهم قد ادرجوا اسمها على قوائم الممنوعين من السفر بدون احترام الاجراءات القانونية في مثل هذا القرار الذي اكد عليه الدستور، لاحقتها الاجهزة الامنية فى كل مكان تذهب اليه لتتوقف عن دعوتها فى المجتمع لصالح زوجها وادانتها الدائمة للنظام بتهمة التواطئ مع التيار الديني المتطرف والتضحية بزوجها لمصالح حزبية انتخابية، كان نشاطها الفكري لنصرة زوجها في ذلك الوقت يستقطب الكثيرين من الشباب ويدفع اخرين للخروج عن الصمت والحياد، اتهموها انها شيوعية ملحدة، تتعمد ان تثيراعصاب التيارات الدينية وتهدد بأزمة فى المجتمع، اتهموها انها تسعى لاثارة الفتنة وعدم الاستقرار، منعوا الناس عن زيارتها بطريقة غير معلنة وظلت وحيده ومعزوله، حتي انها اضطرت ان تبيع اثاث بيتها وكل ماجمعته من كتب ولوحات فنية من اجل تدبير نفقة الحياة اليومية، كانت تبكي على الذكريات مع كل قطعة اثاث تحرج من البيت، لم يكن امامها بعد ان منعوها عن العمل، وعجز الاصدقاء تحت تهديد جهاز الامن ان يمدون اليها ايدي المساعدة غير ان تبيع كل ماتملك وظلت تضحي صامته وهي تبيع لتجار الروبابيكيا كل ذكرياتها الحميمة، حتى مرضت وماتت، وبعد عودته وقد بلغ من الكبر عتيا، وبدا عليه الشيخوخة والمرض، كان ودودا جدا مع الجميع، لم يكن يخرج من البيت كثيرا، كنت اراه يجلس فى كل صباح فى البلكونة يقرأ الجرائد والمجلات، كنت القى عليه السلام، فيرد باهتمام ووقار،  واحيانا كنت اقف معه في الطريق واطمأن علي صحته، عرفت فيما بعد انه كان تحت المراقبة الامنية منذ عودته

 قال لى بائع الجرائد :

ـ لاتتحدث  كثيرا مع دكتور مصطفى ، احد رجال الامن المكلفين بمراقبته قد سألني عنك منذ ايام قليلة اذا كان لك نشاطا سياسيا او دينيا ؟ واستغرب عندما اخبرته انك مجرد عاملا بسيطا في المفهي

ــ ماذا يريدون مني، هل القاء السلام بين الناس في هذه الايام قد اصبح جريمة يحاسبون عليها

قال :

ـ اصبر حتى اوضح لك مايصعب عليك الان فهمه، ولاتتعجب من الاحوال الغريبة فى هذه الدنيا، فأنت لاتعرف هؤلاء الناس، انهم لايعرفون  غير الانتقام، لقد اخذوا عليك انك توقفت بالامس اكثر من خمسة دقائق تتحدث معه

 الاسبوع الماضى حسبما عرفت فيما بعد الحادثة، كان دكتور مصطفى ضيفا على مجموعة من الادباء والمثقفين الشباب فى ندوة اقاموها تكريما له واحتفالا بعودته فى قاعة احدي الفنادق البسيطة فى وسط البلد، حضرها وشارك في فعالياتها اعداد كثيرة من طلاب الجامعة، والصحفيين، والشباب المهموم بالحرية، ارادوا ان يردون اليه اعتباره فى زمن اصبح فيه نكران المعروف هو القاعدة العامة والوفاء هو الاستثناء، اي سعادة لابد ان تكون قد غمرته في ذلك اليوم بعد كل هذا الشقاء والاعتراب ، وهو الان يجد شباب وفتيات في مقتبل العمر مثل الزهور قد قرروا ان يجدون  لانفسهم حياة جديدة لها معنى مختلف فى بلد تمزقة الازمات السياسية ، والاجتماعية والاقتصادية، وتجتاحه هوس الصرعات الدينية المستوردة من دول اخري، كانوا يقفون يحملون باقات الزهور ليستقبلونه بابتسامه صادقه على وجوههم، كم كان يراهم مختلفين هؤلاء القادمين ليستمعون الى هذا الرجل الذي دفع عمره ، وفقد زوجته وهو في المنفي، وظل يدافع عن الحق فى مواجهة الجهل، تحدث في ذلك اليوم بجهد شديد بسبب المرض وتقدم السن عن الحرية ، وحق الانسان فى الحياة الكريمة ، وفق المتغيرات الاجتماعية في عالم اليوم المختلف نهائيا وفكريا عن الأزمنة السابقة، لم يتحدث عن النظام السياسى الحالي بطريقة مباشرة في محاولة لتجنب عدم تجديد الاحقاد القديمة ضده، لم يتحدث عن ماضيه ، وافكاره ، وتضحياته، كان حذرا فى كلماته، فلم يتحدث عن التيارات الدينية بكلمة واحدة، يعرف ان لهم سطوة على عقول الناس ومشاعرهم، يعرف انهم يساومون النظام ويعقدون معه الاتفاقيات، ويشاركون النظام فى تزوير الانتخابات ، وتشكيل مجلس الشعب حسب رغبة الحاكم، مع ترك عدد من المقاعد لشخصيات تخدم مصالحهم في الخفاء، ومع ذلك لم ينجوا من اعين المتربصين به، كيف يفعلون ذلك فى رجل كهل يعاني من الشيخوخة في اخر العمر ؟ الناس كانت كثيرة في الشارع وشاهدوا ماحدث لكن لم يعترض احد ولم يتجرؤن على مجرد ان يسألونهم من انتم ؟ الناس اصبحت علي قناعة ان الذين يمارسون لعبة التفكير يجازفون بأرواحهم، وان ذلك شأن الحياة التي لاينال منها التعب ولاتمل في ان تعيد تجديد تفاصيلها واوجاعها مثل الحقيقة التي عندما تتجرد من الخيالات والاحلام تفضي بالواقع وبهؤلاء الذين لازالوا يراهنون علي خسائرهم الي الهاوية، اصبحت اعرف الان لن تظهر الاشارات ، والنبؤات التي تبشر بقدوم النهاية التي سيتساوي في مشهدها ، وعدالتها الجميع فتبتهج الارواح التي عاشت في الحياة سنوات لاتعد ولاتحصي علي شفي حفرة من الهم ، والغم ، وتملآ النفس بالانكسارات في الانتظار الذي لاينتهي للحظة المساواة، فبعد ان اصبحت المساواة في الحياة، وفي مجتمع لايتمتع بالعدالة الاجتماعية التي أصبحت صعبة المنال وخرافية وانتظار ان تتغير مثل انتظار رؤية المستحيلات الثلاثة ظهور الغول والعنقاء والخل الوفي تتحول الي حقيقة، اصبحت الناس بعد ان فقدت الامل في الحياة تحلم وتنتظر الموت الذي سيكون هو النهاية التي سيتساوي فيها الجميع كما يبشرهم رجال الدين من فوق المنابر.

للقصة بقية

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. ذكرتني بمأساة الدكنور نصر حامد ابو زيد ومصير كل المتنورين الذين يحاولون الاصلاح في ظل هيمنة الجهل والجهلة الذين يقدمون صورة اخري مغايرة للدين الاسلامي العظيم

  2. ” فعندما يعيش الانسان في مجتمع لاتأكل فيه الناس حتي تشبع، في نفس الوقت الذي يمرض فيه الفاسدين واللصوص بمرض التخمة، حينئذ ستنتابهم الكثيرمن المخاوف ،ويقدمون احد الارجل ويؤخرون الاخري قبل ان يخرجون الي الشارع، تعبث بهم المخاوق من تربص رجال الامن السريين المندسين بينهم يتنظرون مجرد هفوة او كلمة غيرمقصودة، يتحسبون ان يسقطهم سوء الحظ تحت سطوة بلطجي او قطاع الطريق، في مثل هذه الحالة ينحوا الكرامة جانبا في مقابل الشعور بالطمأنينة مرتفعة الثمن”
    هذا هو واقعنا العربي السئ . تسلم ايدك تستاذ خالد الهواري

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here