خالد الشــحام: في يوم المعلم الاردني… دعونا نضحك قليلا!

خالد الشــحام

صادف يوم 5 اكتوبر الماضي مناسبة يوم المعلم العالمي وهو يوم أقرته منظمة اليونسكو في العام 1966 مثل مناسبات ثقافية اخرى عديدة ، هذه التذكرة الملصقة على أجندة الأيام وضعت كرمزية لتقدير مكانة المعلم كقيمة تربوية وانسانية لهذا الكيان الاجتماعي-الفكري الذي يعول عليه في صناعة الأجيال ونقل الفكر والمعرفة والتربية ضمن سياق التعليم المدرسي وحتى الجامعي .

مكانة المعلم لا يمكن ان يختلف عليها إثنان ولا يمكن إلا أن تكون شيئا مقدسا في كل الشعوب والمجتمعات الواعية ويمكن من خلال تتبع الأنماط المختلفة لثقافات الشعوب أن نلمس استراتجيات سلوكية متنوعة تعكس قيمة المعلم ومهنة التعليم ودورها في صناعة المجتمع السليم و تعكس تقدير المجتمع لهذه المكانة وحرصها على الاستثمار المستمر والدائم فيها لأنها تجارة رابحة دوما وأبدا .

 

لا شك أن الجميع تلمس بعض الاشارات حول هذه المناسبة في الصحف أوالمواقع التواصلية أوالاتصال المباشر حيث أقيمت فعاليات ثقافية وحكومية في هذه المناسبة وقيلت الكلمات الرنانة والطنانة في مديح المعلمين والمعلمات حتى أن كثيرا من المدارس الخاصة وبالتزامن مع إضراب المدارس الحكومية  أقامت احتفالات تكريمية ووزعت هدايا رمزية على المعلمين كنوع من ابراز الاهتمام بهذه المناسبة ، وربما  أعيدت بعض الاحتفالات خاصة بعد نجاح أهداف اضراب المعلمين في الساحة الأردنية  .

كل الكلام السابق والديباجة الجميلة كانت لتكون صحيحة حول مكانة المعلم في المنطقة العربية والأردن تحديدا قبل عشرات السنين وإن كثرت الديباجات والتكريمات  والايحاءات ، أما الان فقد تطورت النظرة وقيمة التقدير للمعلم في المجتمع الأردني ولكن في الأتجاه المعاكس بحيث وصلت الحضيض  دون ان يصرح أحد بذلك وتحولت منزلة المعلم إلى مدعاة للشفقة والسخرية وربما الصدقات ولم يعد من المستطاع قول غير ذلك وإن بدا العكس في الإعلانات والمهرجانات والتدليسات.

المعلم الأردني تحول بقدرة قادر إلى مستهدف حي ومباشر وحاضر من سياسات الدولة أولا والمجتمع الضائع  ثانيا ومن الطلاب أنفسهم ثالثا ومن قطاع المعلمين أنفسهم رابعا ، الغزوة الأولى على المعلم جاءت ضمن سياسة عامة خضعت لها المنطقة العربية ضمن اتفاقات وصفقات  خفية غير معلنة حولت التعليم إلى محطة ثانوية تماما  وأوكلت مهامه إلى من يسومه سوء المنقلب لأن التعليم المتكامل والتعليم الجيد والمنتج لا يمكن أن يكون شيئا حسنا في منظور القوى الاستعمارية التي تهيمن على العرب وجوديا ، التعليم المنتج هو خط دفاعي ووقائي وربما هجومي على الفكرة الاستعمارية في المنطقة ولذلك لا بد من إقصائه وتدمير أركانه ،  ولهذا السبب فكل من يعمل في حقل التعليم عليه أن يتقاضى أقل الأجور وأقل الضمانات وأعلى ساعات العمل وأكثرها شدا وتوترا وحرقا للأعصاب ، المناهج المفصلة حسب الطلب والمنتقاة بأعلى قدر من الشكليات والقشريات هي جزء من العبء والبيئة المادية المحبطة  للعمل هي عبء آخر والتشكيلات الإدارية والتمويلية هي أثقال أخرى يدفع المعلم ثمنها بشكل مباشر أو غير مباشر .

 

الغزوة الثانية على المعلم أتت من اعماق المجتمع المحافظ الذي فقد الكثير من ركائزه الأخلاقية وأضاع مكانة المعلم واعتدى عليها وقلل من احترامها وسخر منها ، ولم يعد غريبا أن نسمع يوميا قصصا وغزاوت قبلية وعشائرية وفردية على قطاع المعلمين وتخريب الممتلكات المدرسية التي تخدم المجتمع ذاته ، لم يعد غريبا أن الأهالي تحولوا إلى وحش ينقض على المدرسة وطاقمها التعليمي لأن ابنا أو بنتا لهم تعرض للتوبيخ أو الطرد أو نال علامات أقل مما يتوقعون ، لم يعد المجتمع يصون مكانة المعلم وظل يتفرج صامتا على البهدلة والإذلال والانتقاص من مكانة التعليم وبذلك خسر المجتمع العظيم ركنا أساسيا وضحى بأهم ضمانة مستقبلية لأبنائه وبناته لأن قيم هذا المجتمع وأولوياته قد تغيرت تماما وتعرضت للغسيل والتعديل ، في كل دول العالم التي تعنى بمكانة التعليم والمعلم يكون المجتمع هو واجهة الدفاع الأولى التي تصون وتحتضن وتتسابق في إكرام ورفع شأن المعلم .

 

الغزوة الثالثة على المعلم جاءت من الطلاب أنفسهم ، الطلاب الذين يفترض أن يكونوا متلقين وشاكرين لمن يمنحهم المعرفة المصحوبة بالتربية والأمل وبعض الرفقة الإنسانية في رحلة التعلم ، يحدثني كثير من الأصدقاء عن ارتفاع غير مسبوق في منسوب الوقاحة والجرأة السلبية التي يتعرض لها المعلم في الغرفة الصفية خاصة في قطاع المدارس الخاصة ، فقدان البوصلة عند الطلبة بفضل عالم المادة الذي يطغى على كل شيء و المحطات الفضائية وشبكات التواصل المراوغة والانترنت وخدماته الانفتاحية ، كل هذه ولدت بشكل ما قناعة خفية لدى الطلاب بانه يمكن الاستغناء بسهولة عن كيان المعلم واستبداله بدرس مصور أو مقطع فيديو أو دوسية ملخصات أو بقراءة ذاتية ، نسي الطلاب ونسي أهاليهم أن المعلم هو روح مانحة ومعطاءة لا تقف عند مجرد معلومة أو حل سؤال أو تدريب كتابي ، إنه المعلم حيث اللمسة من فضيلة وتقويم وتربية وزرع مبادىء وأفكار ، إنه كيان من مشاعر موجهة لايمكن استبدالها بأية آلة أو حاسوب ذكي ، إنه اليد التي تعزز رسالة الأمة وتمنح الروح فرصة من جديد ويستحيل على أي شيء كان أن يحل في مكانة المعلم روحا وجسدا ورسالة .

التعليم العام كان هو الضحية الأولى لكل الغزوات السابقة مثله مثل كل الخدمات العامة في البلاد حيث فقدت المدارس الحكومية هيبتها ومؤهلاتها وتحولت إلى ملاذات لفك الأمية بالحد الأدنى وايواء قسري للطلاب ضمن فترة الصباح والظهيرة ، أصبحت المدارس العامة مدعاة للخوف والنفور من كل طبقات المجتمع بمجرد حضور اسمها لأنها تحولت إلى قرين سوء للزعران والانحلال والمشاكل ورداءة التدريس وأجواء الفلتان العام بدرجات متفاوتة من مدرسة لأخرى أو حي لآخر حسب طبقته الاجتماعية ، كل ذلك دفع فورا في الإتجاه الأخر نحو تغذية التعليم الخاص وبناء المزيد من المدارس الخاصة التي استغلت موات التعليم الحكومي وأثرت على ظهره ونمت مافيات التعليم الخاص ونهشت لحوم البشر بشكل لا يمكن تخيله ولا توقع حجمه ، استولت المدارس الخاصة على كل الطلاب ذوي المعدلات والمؤهلات الأفضل وتركت الفقراء والمشفقين والضائعين وحطام الطلاب للتعليم الحكومي وبذلك هدمت فيه أكثر واستولت على المشهد بطريقة رأسمالية زادت من انحراف البوصلة.

يوم المعلم هو نكتة أخرى تضاف إلى رصيد النكات المضحكة المبكية في الأمة التي تفقد رشدها كل يوم و التي تحتفل بيوم الأم ولا تقدرها وتحتفل بيوم الأرض وتمسح بها الأرض وتحتفل بيوم الشجرة وتلعن مولد الشجرة وتحتفل بيوم المعلم شماتة بمأساة المعلم وضحكا على بؤسه وتردي أحواله ومعاشه ، نحن نتقن كذب الكلمات أكثر من أي شيء آخر ونتقن منح حبوب الهلوسة في كل شيء حتى يظن الخائن أنه مخلص الأمة والكذاب أنه أصدق من الأنبياء والمعذب أنه يعيش النعيم والذليل أنه عزيز ، من ينظر لوضع المعلمين والمعلمات في المدراس العامة وسيرة حياة المدرسين والأكاديميين محليا لا يسعه سوى ضرب كف بكف أســفا وحسرة ، ومن يتابع منهجية الإذلال والتجبر والاستغلال في المدراس الخاصة يدرك تماما أن هذه هي منهجية التحطيم والعبودية المهنية المقنعة بقشرة رقيقة من الاحترام المزيف .

 بعد شهر من إضراب نقابة المعلمين في الساحة المحلية سجلت النقابة أو هكذا يبدو شيئا من المكاسب والزيادات التي يتوقع لها أن تحسن من دخل المعلم الأردني ونظرت جهات كثيرة إلى هذا الحدث على أنه انتصار حقيقي للمعلم الأردني وتحقيقه شيئا من التقدم في منزلته أو مكانته الآجتماعية ، ربما لو تمكنا من النظر إلى القسم المخفي من هذا الجبل الجليدي لعكسنا وجهة نظرنا وفهمنا أن المكتسبات المادية ليست هي الشيء الكافي للإرتقاء بمكانة المعلم ومنزلته ولا زال هنالك الكثير مما هو مطلوب للنهوض بمهنة التعليم في الأردن وربما يتطلب الأمر نهجا ثوريا وتغييرا شموليا للوصول إلى ذلك .

يوم المعلم لا يحتاج كلمات رنانة وإجازة ليوم واحد أو هدية من حبات الشوكولا …….. إنه يحتاج قرارات جريئة من أعلى المستويات السياسية والمتنفذة لصون مكانة المعلم ومنحه تميزا يكفل له راحة البال والاستقرار النفسي طيلة حياته بتامين صحي جيد ومعاش مناسب وبيئة تعليمية صحية خالية من العنف والفلتان والزعران وهمجية المجتمع المعاق فكريا وحضاريا ….يوم المعلم يحتاج قرارات شجاعة بمنح هذا المعلم كل متطلبات عمله الابداعي من بيئة مناسبة وحجم أعمال يتناسب مع قدراته ونوعية منتوجه التربوي ، يحتاج رؤية واضحة المعالم ومناهج عقلانية وأدوات تعليمية وسياسة تنموية دائمة لمهاراته وتقدم قدراته ……يوم المعلم هو مناسبة لتكريم ألوف من المعلمين والمعلمات الذين بذلوا جهودهم وأعطوا من قلبوهم لميدان يعج بالضياع التربوي والتخريب الممنهج لأبنائنا وبناتنا …يوم المعلم هو فرصة لإحياء ولاء هذا المجتمع لمكانة المعلم وإشهار فضله ودوره في انتاج العامل والمزراع والطبيب والمهندس والزوج والزوجة ……. كم نحلم بيوم نجد فيه المجتمع يقيم التكريمات والاحتفالاات لإثابة أولئك المعلمين الذين أنتجوا وابدعوا في تدريسهم وحسن أعمالهم وتربيتهم وصنعوا أجيالا منتجة صانعة نافعة ……كم نحلم فعلا باليوم الذي نرى فيه المجتمع يصنع قراراته ويحكم مسيرته في تعزيز مكانة المعلم …..كم نحلم بيوم للمعلم يقوم على دفع مهنة التعليم لمزيد من التنافسية الانتاجية الفكرية وتطوير التقنيات المساعدة على خلق جيل حقيقي يفكر بأوطانه وبلاده وخدمة مجتمعه بعيدا عن الزيف والاصطناع وعبادة البشر.

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. يا سيدي نحن المعلمون جنود الحق التي لم ترى الحق يوما ولم تنل الا لوم المجتمع وتانيب خطاياه شكرا لقلمك الذي قال الحق فينا ولو بعد حين

  2. كلام جميل ، و لكن بعد كل هذا يتحدث البعض عن أخونة نقابة المعلمين و اجندات و اهداف سياسية لنقابة تحاول أن تحمي حقوق أعضائها.

  3. يا رجل والله انك لرائع ويسلم قلمك ويدك التي تحكي كل ما في قلوبنا انا معلم متقاعد ولم اجد كلاما يروي الغليل كما كتبت ووصفت بارك الله فيك وفي قلمك المبدع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here