خالد الشحام: لماذا لن نتمكن من محاربة الفساد عربيا؟

المهندس خالد الشحام

من الكلمات التي أصبحت مصدرا للتسلية والضحك والتحشيش المعنوي كلمة الإصلاح في العالم العربي تماما مثلها مثل مصطلح حقوق الإنسان العربي ، الأردن كمثال أو مصر أو غيرها من الدول العربية تتداول هذه الكلمة المهلهلة كثيرا كلما طاب الهوى لدغدغة مشاعر الجماهير المحطمة ، هذه الكلمة كبرت وعظم شأنها وأصبحنا نسمعها ونقرأها ونرددها مع مطلع ما كان يسمى ثورات الربيع العربي التي اندثرت وتحولت إلى خرابة كبيرة الحجم والمساحة والخسائر .

كلمة الإصلاح في هذا السياق وفي مدلولها العالمي تعني تعديل وتطوير النظم والقوانين الحاكمة ومناهج الحياة السياسية لتكون أكثر عدلا واتزانا و احتراما للمواطن وأكثر مراعاة لحقوقه ورفاهه وتسهيل حياته بما يتضمن ذلك من أجهزة تشريعية ورقابية وتحديد وظائفها وعدم تغولها على بعضها البعض أو على العامة ، إنه يعني أيضا وحتما وقوع الإحساس الملموس لدى العامة بأن هنالك من يرعاهم ويسهر على مصالحهم وشؤونهم دون تحيز ولا مفاضلة ولا منة .

 

كلمة الإصلاح في ميداننا العربي لا يزيد معناها عن ترجي واستجداء  الدولة وحكوماتها الفاعلة أن تخفف من  سطوتها وبطشها وتغولها على الحقوق الإنسانية والمدنية  ، مثلا أن تخفف معدلات السرقة للمواطنين وبدلا من أن تسرق 80% من دخول العامة أن تعدلها وتخفف السرقة إلى حدود 75%  من دخلهم ، وان ترحم الفقراء بعض الشيء وأن لا تبالغ في ضرائبها ونسب مكاسبها و أن تخفف من نسب النهب التي يقوم بها الأثرياء من جيوب الفقراء  ، وأن تخجل الدولة بعض الشيء من عيون الناس وتمثل ولو تمثيلا إلقاءها القبض على بعض اللصوص والفاسدين وأن تخفف من وتيرة الغلاء الفاحش الذي يأكل لحم الفقراء كي يسمن أصحاب المافيات ، أن ترحم الصحف والصحافيين وتكف عن قتل أقلامهم وأحلامهم وتخفف من قبضتها على كلماتهم  ، أن يحاول الرئيس أو الزعيم أن يزيد من جرعة كلماته التي توحي بالانتماء والاخلاص للداخل الشعبي ومحاولة النزول قليلا نحو المعدمين ، أن تحاول الدولة أن تخفض من نسبة التزوير والتلاعب  في شتى أصناف  الانتخابات من 90% إلى 70% مثلا ،   هذا هوجزء يسير من مفهوم  الإصلاح في العالم العربي ، وعندما تسمعون او ترون تظاهرات أو اعتصامات تطالب بهذا المصطلح فالكلمة الدقيقة ليست إصلاح ولا تنمية ولا حريات أو مطالبة بها  وإنما هي  تسول ورجاء واسترحام من الشعوب المقهورة لأولئك الذين يقبضون ناصية الأمر لعلهم يخففون من ظلمهم لعامة الشعب  ، على الرغم من جريان السنوات والمطالبات والاعتصامات وانحدار أحوال البلاد نحو الهاوية لكننا لم نلمس في أي بلد عربي شيئا مما يسمى الإصلاح بالمعنى الحقيقي أو التقريبي .

 

في لبنان أوالعراق أو  مصر كمثال لماذا أخفق الشعب المصري حتى اليوم في الانتفاض على الظلم  الذي يتعرض له منذ عقود  ؟ كيف أمكن للحكم  أن يقتص من شعب مصر ويمعن في التفنن في تعسير حياته من خلال التكتيم والاعتقال والحبس والقتل ورفع الأسعار ومع ذلك لم نشهد الانتفاضة المتوقعة عليه ؟ …..ليس السبب في قوة هذه المنظومة الحاكمة  ولا ذكائها ولكن لأن الجيل الكامل الذي رباه حسني مبارك  طيلة ثلاثين سنة من حكمه المشؤوم خلقت نمطا مواتيا للهزيمة وخلقت بيئة ظلامية باردة مناسبة تعشعش فيها أبواغ  من المرتزقة وبائعي اللحم البشري ومصاصي الدماء وتجار السياسة والنفاق والمكاسب الذين تخلوا عن آدميتهم ووطنيتهم وأغدقوا على أرواحهم بالنعيم والمال والثروة حتى فقدوا وتشلحوا من كل شيء وتسلطوا على رقاب أبناء مصر في الإعلام والفضائيات والتجارة والعقار والأراضي والغذاء والدواء حتى أحكموا الدائرة على المواطن المصري الذي وجد نفسه عاريا فاقدا لأي سند أو سلاح يرفع من قيمته أو مقاومته لكل هذه الموجة العاتية من الحصار ، النتيجة النهائية هي التي تدفع اليوم ، ثمرة الثلاثين سنة من حكم مبارك و السنوات التي قبلها من تدجين عقلية المواطن المصري يستفيد منها الحكم العسكري مستخدما القبضة الأمنية والقبضة الاقتصادية لتحطيم الشعب المصري المغلوب على أمره وسحق كرامته وهدر معاني حياته ووجوده لكي يضمن الحكم العسكري البقاء والتنفيذ لما وضع لأجله .

نفس هذا النموذج المصري أو العراقي تم تطبيقه على مستوى أصغر أردنيا ، وطيلة السنوات السابقة من عمر المنطقة تشلحنا من قيمة الوطنية ودخلنا في البزنس بداية  مع سقوط بغداد وتحولنا من كادحين إلى مستثمرين في نكبات الأوطان واستنفاذ موارد البلاد والعباد والتكالب على نهش لحم الوطن من خلال المشاريع الكبرى البراقة وتسليع كل شيء من الماء إلى الهواء حتى فقدت الأشياء طعمها وتحولت كل النعم الظاهرة إلى نقمات مبطنة وفقد المواطن الأرني أي هامش للأمان واستطلاع للمستقبل وفي ظل بيئة عدمية وفقدان معاملات الأمان الاقتصادي والمعيشي وغياب القوانين التي تضبط وتعدل في كل شيء نشأت طفيليات وفيروسات ومافيات  لها قوانينها الخاصة وبأشكال ومسميات مختلفة تبدو في ظاهرها النعيم والوحدة ومكونات القوة لكنها في باطنها تحمل عوامل الكره والعداء والفرقة والضعف وتحسبهم جمعا وقلوبهم شتى ، ولذلك برزت مافيات العشائر ومافيات المولات ومافيات البزنس الصهيوني ومافيات البزنس الأمريكي  ومافيات السفارات ومافيات الحرس القديم ومافيات الحرس الجديد ومافيات الوافدين ومافيات الغذاء ومافيات الدواء ومافيات الماء ومافيات الوقود ومافيات الشيبس والكركديه والبندورة …..والقائمة تطول ، هذه التكتلات التي نشأت من خلال البيئة السياسية المساندة واستمراء الحلول وأنصاف الحلول وأرباع الحلول والرشوات السياسية وانحطاط الأخلاق وبذاءة العالم والكوكب  تحولت من مجرد كيانات ظرفية إلى ثوابت وجودية مطلوبة استمدت شرعيتها من خلال قوالب شكلية قانونية كاذبة وتسلل  مسؤولين حكوميين فاسدين فيها لتمنح نفسها فيما بعد بعدا اجتماعيا واقتصاديا وتشغيليا وبدا انها وسائل قوة للبلد تضمن تلاحم نسيجه وفيها تشغيل عمالة وتحريك اقتصادي وجلب رؤوس أموال لكنها في الحقيقة كانت ولا زالت مجرد آلات مسننة جارحة تنهش من مقومات البلد وتحط من عناصر النجاح واحتمالات الإصلاح الحقيقي فيه والخاسر الأكيد والدائم هو المواطن الأردني مهما بدا العكس من ذلك.

السؤال الأساسي كيف فشلنا في محاربة الفساد وكيف أوصلنا أنفسنا والبلاد إلى هذه النقطة بعد موجات الوعي وتلقي كل هذه الضربات الموجعة  ؟….هل الحكومات هي المذنب الأساسي من خلال سياسات متحجرة بائسة ؟ هل من مستقبل لما يسمى بالإصلاح ؟

عندما يتربى جيل كامل على (خيرات ) وثمار الفساد وتصبح ثقافته قائمة على المكاسب السريعة والفئوية والشللية تترجم هذه فورا إلى حالة نفسية مستعصية تسمى  الأنانية من ثم الإدمان ولذلك  لا يمكن لهذ الجيل ومشتقاته أن تطالب بما يسمى التطوير والإصلاح والعدالة لأن هذه الأشياء لا تتآلف مع هكذا منتوجات بشرية وسرعان ما تعيد تدويرها إلى منتوج فاسد آخر ……..وعندما تكون ممارسات الفساد من صغيرها إلى كبيرها نهجا حياتيا وطريقة من طرق العيش المشروعة تحت جفون القانون وتجاهله ورعايته وانتقائيته يصبح الجيل حارسا لممالك الفساد في كل مؤسسة وكل منظومة حكومية أو خاصة ، وكل مغتنم لغنيمة عليه أن يدافع عنها وألا يخسرها حتى لو تطلب الأمر تخريب اللعبة بكاملها ولكم في كل عرس وطني عبرة يا أولي الألباب ……… عندما يتحول الإنحراف والجشع والعمالة والخيانة الوطنية إلى مشاريع استثمارية وطريق للثراء وجنات النعيم الأرضي يتحول هؤلاء الأثرياء إلى قلاع عاتية تدفع الغالي والنفيس في سبيل الإبقــاء على تلك القوانين وتلك النظم التي عملت سنوات وسنوات على خلقها والعمل بها لأن المسألة هنا تصبح مسألة فناء أو بقاء وفقر أو ثراء وتكامل أو أجزاء …… عندما يتوقف المواطن البسيط عن الشعور بخطورة مسائل وطنية كبيرة وتقتصر انتفاضته على مسائله الشخصية ومتعلقاته المادية هنا تصبح البلاد كلها مجرد تجارة وشطارة وبيعها لا يتعدى مسألة مساومة على السعر وهنا يمكن بيع فلسطين وسوريا والأردن ولبنان  كلها والعراق كهبة مجانية بصحبة الصفقة .

 المواطن الذي تربى على غض البصر عن كل المصائب السياسية التي تقع في عالمه العربي وصمت صوته عند استهداف سوريا واليمن والعراق وفلسطين وقبل بوجود بني صهيون على ترابه وامتص كل جرائمهم وحقارتهم وغطرستهم هو مواطن غير مؤهل ليدافع عن حقوقه الشخصية لأنه فقدها بمجرد أن تخلى عن حقوقه القومية والإسلامية والعربية ، المواطن الذي يستمتع بخيرات الفساد ويجاري قنواته ويقبل على نفسه أن يرشي موظفا أو يفلت من حكم قانوني هو مواطن فاسد حاضن للفساد ومؤهل لإشغال أي فرصة يمكنه من خلالها ممارسة الفساد الوظيفي أو الأخلاقي مهما صغر أو كبر ..كيف لهذا الجيل بهذه المواصفات أن  يكون مؤهلا ليقيم اعتصاما ويطالب بحياة عادلة هو شريك في تحطيمها والقضاء عليها ؟

للأسف الشديد يوجد لدينا في الأردن طبقة اجتماعية كاملة تعيش النعيم بكل أبعاده وهي ربما  على صلة مباشرة أو غير مباشرة بمواقع المسؤولين والمتنفذين ولكنها طبقة تشكل عبئا حقيقيا على البلد شعبه واقتصاده ومستقلبه الاجتماعي لأنها خارج حسابات الفقر والغلاء وحتى الأبعاد العميقة للوطنية، وهذه الطبقة ليست محايدة في أية مطالبات إصلاحية شعبية بل هي تيار معاكس يهمه تماما أن تبقى المنظومات النافذة كما هي دون تغيير لأن الإصلاح يعني تلاشي مكاسبها وتحييد مواقعها ، ولدينا في الأردن هنا جيش من الفقراء والمعدمين الذين يتم تجنيدهم كواجهة للدفاع عن اللصوص والسياسيين الفاسدين تحت مسميات كاذبة مراوغة تدغدغ المشاعر القبلية أو الدينية أو الوطنية المزيفة  وغيرها وهؤلاء هم أحوج ما يكون للإصلاح وتحسين نهج الحياة السياسية لكنهم يتحولون إلى جيش الزومبي للدفاع عمن يسرقهم ويفتك بهم مقابل حفنة من دولارات مرشوش عليها أكاذيب بالنكهة الأردنية أو العراقية أو اللبنانية  كمثال لأن هؤلاء يملؤون عوالم الفساد العربي أينما رحلت بنظرك ، ولدينا هنا في الأردن طبقة مشلحة من الكرامة عندما تتميز بأنها عندما تتذوقطعم  النعيم تنسى البلاد والأوطان وتطالب بتعويض عن حقها في أرض فلسطين ومستعدة للتنازل عنها وعن كل حقوقها الكونية  وعندما تأتيها مواسم الجوع  والطفر تتذكر فلسطين والبلاد وتسخط كل عيشها وتتحول إلى جزء من روح المقاومة وهذه مستعدة لأن تكون جزءا من صفقة بيع الجياع والجائعين إذا اقتضت المصلحة ……بذلك تتبقى فئة محدودة مؤهلة لتحمل قضية الإصلاح على كتفيها بالشكل والمضون وهذه الفئة المبعثرة ربما لا يسمح لها بالتجمع قسرا أو طوعا أو خلق ظروف تشتيتتها  وهذا ينطبق على كامل قارة البؤس العربي من قدمها حتى ناصيتها .

الإصلاح والمطالبة به لا تتطلب شهادات دكتوراة ولا حملة بكالوريوس ولا متعلمين مستوردين من وراء البحار والجامعات الغربية ولا تحتاج منظرين جهاديين أو ماركسيين أو ليبراليين ، نهج المعارضة والإصلاح والغيرة على البلاد هو ثقافة حياة وضمانة مستقبل تتطلب نظافة داخلية مع النفس قبل أي شيء آخر ويدا نظيفة أمينة ونزاهة أساسية كنهج حياة تزرع من خلال المدرسة والبيت والشارع والمسجد والأب والأم والمعلم وكلمات المسؤولين وبرامجهم وأعمالهم وسير حياتهم ……ما دمنا نعيش في بعد عن هذا فأي حدث يقع  في منظورنا الزماني والمكاني لا يتعدى منطق الغوغاء وثورة القطيع الذي يهيج وبعد تعبه وعطشه يعود تلقائيا إلى حظيرته .

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. سلمت أناملك، توصيف دقيق و عميق لوضعنا و أهميته تتجلى في النقذ الذاتي و تحميلنا جزءا كبيرا من الذل و الهوان الذي نحن فيه، في تجمعاتنا و مقاهينا نستنكر ما آلت إليه البلاد و العباد بخطب عصماء و في أول اختبار للفرد منا أمام إدارة أو سلطة أو شجار بسيط بين اثنين منا نفسد و يفسد بنا ََ كأنها الطريقة الوحيدة التي صرنا نجيدها

  2. يا سيدي توقفك عن الكتابة ذنب لا يغتفر بارك الله في فكرك المنير انا أستمتع جدا بقراءة كل مقالاتك المميزة

  3. مهندس خالد هنالك شيء خاص في كل مقالاتك التي احرص جدا على قرائتها انها تجذب القارىء حتى اخر كلمة ويتمنى لو انك اطلت اكثر تحليل مميز ودقيق واتفق معك في كل كلمة شعوبنا العربية تحتاج لثورات تصحيحية ولكنها مع كل اسف تفتقر لمقومات داخلية تسبب كل مرة فشل هذه الثورات كما حدث مع كل دولة من دول الربيع العربي لو كنا نتمتع بما تفضلت به من نزاهة ونظافة داخلية مع الذات لتغيرت احوالنا ونجحت كل مطالبنا

  4. غياب الديمقراطية و استيلاء الأنظمة الشمولية المقيتة على الحُكْم و سياستُها الرّأمية إلى تفقير الشعوب و تجهيلها و استعبادها و جعلها قطعاناً من الأنعام تسوقها أنّا شاءت لقضاء مصالحها الشخصية و لا ترغب في إنشاء أية دولة ديمقراطية تُهدِّد استمرارية مصالحها و ديموتها على كراسيها الوثيرة و أبراجها العالية .

  5. من اجمل واروع ما قرات توصيف دقيق جدا ولكن السؤال هل هذا الجيل الذى ذكرت واقعه يفهم ما ذكرت ؟؟؟
    هل هناك من لايزال يفكر بطريقتك هذه ؟؟؟
    كارثتنا الحقيقية تتمحور فى الفساد والإفساد الذى أصبحنا عليه ومنه كما ذكرت فساد الأجيال……
    خالص تحياتى لك ولفكرك الفذ……

  6. ما اشد وقع الكلمات لن اعلق على المقال قبل اعادة قراءته اكثر من مرة لروعة التعبير وقوة الفكرة واثرها العميق في النفس وفي طياتها حزن وغضب

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here