حيدر مصطفى: صرخات أقلام تُقتل

حيدر مصطفى

جيوش من الصحفيين تنتشر في بلاد المنطقة، فائض الأقلام والموهوبين بات لا يتناسب ولا بأي شكل من الأشكال، مع واقع الصحافة، التي تحولت إلى مهنة محدودة السقوف والحريات والإمكانيات وحتى الإنتشار على جميع المستويات.

تقولبت معظم الوسائل الإعلامية في دول المنطقة، بسياسات الممولين والأنظمة والحكومات، ولا ضير في القول إن الانقسام السياسي الحاد القائم في المنطقة عموماً، تعكسه الصحافة ووسائل الإعلام بشكل واضح، وربما فاضح.

الرأي والرأي الآخر، أو حتى محاولات الصحفيين الشباب باتت تصطدم بجدران وقيود اعتى بكثير مما قد تكتبه أقلامهم، وصارت كلماتهم حبراً على ورق يتكدس على مكاتبهم، وآملهم تصيبها الضآلة يوماً بعد آخر.

لم تعد الصحافة مهنة تكفي لتأمين قوت شباب يافعين وغيرهم، معظم الوسائل تنشر ولا تدفع، وإن دفعت فالحدود الدنيا مخزية اتجاه القيمة الفكرية أو المهنية التي يقدمها أو يتمكن من تقديمها الكثير من الموهوبين، صحفيين وإعلاميين ونشطاء وغيرهم.

المطلوب في هذه المرحلة أن تكون مصطفاً، منحازاً، مقيداً، وغير قادر على التحكم في مساراتك المهنية، إن كنت صحفياً حقيقياً في بلاد تحكم بالاستبداد، أو لك أن تبحث عن البدائل.

قد تكون صحفياً من بلد في هذه المنطقة، لكنك ستصل في مرحلة تجد نفسك عاجزاً عن الكتابة حول شؤون بلادك، فتتجه لإجراء تحقيقات ومقالات عن بلدان أخرى، ومع ذلك لن تجد كلماتك سبيلاً للنشر في النسبة الأكبر من وسائل الإعلام العاملة على الساحة، وذلك لعدة اعتبارات، أولها أن معظم تلك الوسائل قد ترفضك بسبب آرائك السياسية، أو لمجرد انتمائك لبيئة معينة، أو لأنك عملت يوماً في مؤسسة لا تتماشى وسياساتهم، وكثيره هي الذرائع.

حتى ولو ذهبت للكتابة عن بلد آخر، ستجد أمامك عشرات العراقيل التي ما أنزل الله بها من سلطان، وصار من السهل كثيراً على المتحكمين بتلك الوسائل، أن يعرضوا عليك النشر مجاناً أو مقابل أثمان بخسة، ووعود بزيادتها بعد نشر العديد من المقالات.

الصحافة هذه الأيام صارت رخيصة بحدود مقيتة، محكومة بالولاءات السياسية، والتحارب السياسي المستمر، وأقلام العشرات من الصحفيين تصرخ من شدة القتل العمد الذي تتعرض له، إثر الانقسامات السياسية، وضغوط الحكومات وقيودها، ومزاج الحريات المنخفض، إن لم نقل المنعدم.

لا يبدو الواقع مفائلاً بقيامة صحفية وإعلامية في المشرق والعالم العربي، رغم الجهود الحثيثة والانتفاضات الشعبية، لإحياء الحريات وترسيخها، حالها حال جملة من حقوق الإنسان السليبة المغيبة تحت وطأة الاستبداد والظلم والقمع.

– كاتب وصحفي سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. كلام في الصميم. لكن ليس في الوطن العربي فقط، بل الصحافة تحتضر في كل العالم.

    حتى الآن لا أعرف أي مكان توجد فيه صحافة محايدة.

    رويترز؟! ممكن.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here