حيدر مصطفى: بعد خمس سنوات.. من قاد الحِراك وقوضَ السلمية؟

haidar-moustafa.jpg888

حيدر مصطفى

خمس سنوات تقريبا على بدء ما عرف باسم “الثورة السورية”، التي حملت في ظاهرها هدف التغيير وتحقيق التحول الديمقراطي.ولا يمكن للشخص الواقعي إنكار وجود شريحة كان لها مطالب فعليا وحافظت على سلميتها في التظاهر، إلا أن هذه الشريحة سرعان ما أزيلت من الشارع وأقصي صوتها المنادي بالاعتدال وبالعقلانية. من الواقعية أيضا الاعتراف بأن تلك الشريحة كانت الحلقة الأضعف من حلقات “الحراك” المنظم وصاحب الأيديولوجيات المختلفة.

هنا قد يعارضنا الكثير ممن لا زالوا مقتنعين بأن صلب الحراك كان عفويا وغير منظما وأن النشطاء الذين ظهروا فجأة في كل مكان هم من الفقراء والمظلومين.  شخصيا كناشط سوري وصحفي لا أنكر حقيقة وجود رغبة عند الكثيرين آنذاك بإحداث حراك ثوري نهضوي هدفه الأول والأخير الارتقاء في البلد وتحسين الوضع المعيشي فيها ووضع الحدود للفساد المستشري. ولا أنكر أيضا ما تبين لاحقا أن قادةً الحراك ومُحرِكين في الخفاء قد عملوا على إجهاض كل محاولات السلطة للتهدئة، والمتهمون كثر في تأجيج الغضب.

من قاد الحراك:

لم تكن الحالة السوريّة كالحالة المصرية أو التونسية، ولم يكن الحراك فيها مشابها في المضمون لأي من تلك الحراكات لا في المضمون ولا حتى في الأسلوب. اختلاف طبيعة البيئة التي انطلق منها الحراك عن البيئتين في مصر وتونس وغيرهما كانت أولى العوامل، الاختلاف الثقافي أيضا والاجتماعي، وفي كل الأحوال صلابة الدولة السورية وقوتها فرضت على محركي الحراك ابتداع أنماط جديدة أكثر حدية وعنفا وغضبا.   والكثير من العوامل ساهمت في تأجيج الأزمة الداخلية وكثفت من الاحتقان عبر الضخ الإعلامي للإشاعات وغيرها من محاولات لإثارة النعرات الطائفية والمذهبية من خلال عمليات الخطف والقتل وغيرها.

في كل الثورات التي حدثت على مر التاريخ لطالما كان هناك قائدا أعلى للثورة أو مرجعية عليا تنظم نشاطات الثوار وتوجهاتهم. إلا في سورية، ما سمي بالثورة قُتل وهو بلا رموز على مستوى عالٍ من الأهمية بالنسبة للسواد الأعظم من روادها، يكاد يعبر اسما لفنان أو لناشط مرورا عابرا.

بالفعل لقد اعتمد منظمي الحراك على ابتداع شخصيات فردية في كل مكان وغالبا ما يكونوا من الهتافين أصحاب الشخصيات المتمردة والغير مؤثرة، وخَلقوا من العدم ما تم تسميتهم بنشطاء المجتمع المدني الذين أصبحوا شخصيات مؤثرة بمن استطاعوا استقطابه.

ولطالما تعمد الثوريون لاحقاً على طمس هوية المحركين الخفية وعدم الاعتراف بحقيقة التمويل والارتباطات وأين تلقى النشطاء تدريبهم على قيادة التظاهرات أو على أي برامج وعبر أي تنظيمات أو مؤسسات ومعاهد.

شبهاتٌ كثيرة واستفهامات عديدة وضعت حول ماهية الحراك وخلفياته بعد أيام أو أسابيع قليلة على بدءه. ويعتقد البعض من المراقبين أنه لم يكن بالإمكان طمس هوية “الأتبوريين” وأساليب “الأتبور” ونماذجهم في قيادة الحراك واستقطاب الجماهير وشعاراتهم ورموزهم، خصوصا أن محاضرة في كلية كندي في 5 تشرين الأول عام 2011 ألقاها كلاً من “سيرغي ببو فيتش وسلبودان جينوفيتش” بجامعة هارفارد الأمريكية أعلنا فيها صراحةً أن منظمة أتبور تستهدف سوريا منذ عام 2003 وهذه المعلومة لم تكن جديدة على متابعي أتبور ولكن الجديد فيها كان الإعلان الصريح لأول مرة عن خطة أتبور طويلة الأمد لاستهداف سوريا من قبل قادة هذه الحركة والذين يعتبرا من مؤسسي حركة أتبور الصربية ويملكان حالياً معهد كانفاس لتدريس طرق النضال السلمي ،وبالفعل لقد شاهد السوريون نماذج غريبة جدا عنهم وشعارات مشبوهة ومنها طائفية. وكانت النتيجة أن الحراك السلمي الذي كان بمثابة الحلم الوردي بالنسبة للكثيرين سرعان ما تحول إلى كابوس أسود على رواد الحراك وغيرهم من السوريين.

من قوضَ السلمي، وحول ساحات الحِراك إلى ساحات معارك:

في استرداد لما عايشته ذاكرتنا لحقب الحرب والأزمة منذ البداية وحتى الآن، نستذكر الكثير الكثير من المواقف الصادمة أولها الشعارات الطائفية الغريبة والمستهجنة من قبل جميع العقلاء وثانيها عمليات الإقصاء والتهميش والتخوين وثالثها تحول ساحات التظاهر إلى ساحات معارك.

شهور قليلة وربما أسابيع مرت على السادس عشر من آذار 2011 كان الفتيل الأول للفوضى الخلاقة قد اشتعل بشكل كامل، أتذكر جيدا أن احتقانا وغضبا ساد الشريحة الموالية للدولة السورية بسبب قرار من السلطات العليا بعدم استخدام العنف أو الذخيرة الحية. ما نريد ذكره هو أن العشرات من عناصر السلطات إما أصيبوا بجراح أو برصاص مجهولين ومنهم من قضى أيضا خصوصا في درعا وبانياس، ونذكر على سبيل المثال الشاب الثلاثيني “حازم عباس” الأب لطفلين صغار والذي أصيب برصاص مجهولين أثناء وجوده مع رفاقه من إحدى القوى الأمنية عُزلاً في درعا، وغدا منذ ذلك الحين مقعدا في فراش إحدى المستشفيات، ومثله الكثيرون.

لم يكن وجود مجموعات مجهولة تعمل على إثارة وتأجيج وتأزيم الأوضاع محض اختراع خُلق من عدم، هذه المجموعات شاركت فعليا بعمليات التخريب والخطف والقتل والاغتيال وتطورت لاحقا حتى أصبحت المجموعات المسلحة التي تقاتل ضد السلطات السورية. مجموعات قامت بجر الحراك إلى دائرة المعركة المباشرة وطبعته بصور سلبية وقولَبتُه ضِمن شعاراتٍ هدامة للمجتمع وتتناقض مع الحلُم الوردي المنشود، شعاراتٌ إقصائية سادت الكثير من المظاهرات ونذكر منها “علوية عالتابوب ومسيحية عبيروت”. مجموعاتٌ منظمة ساهمت وعملت على حرف البوصلة الأساسية للحراك الذي كان من المفترض أن يتمتع بذكاء ومنطقية أكبر والذي قُتلَ في رحم أمه قبل ولادته. مجموعاتٌ رفعت شعار “إسقاط النظام” في دعوةٍ منها للمواجهة الحتمية وتأزيم الأزمة بدلاً من رفع شعارات الإصلاح والدعوات الإصلاحية المنطقية وخلق برامج اجتماعية تفاعليه. مجموعاتٌ سرعان ما كشف لاحقا عن وجهها الإسلامي المتشدد والأصولي والتي بدأت بقيادة الحراك من خلال الدين وألبست ما سمي “بالثورة” ثوب السواد الإسلامي لا ثوبه الأبيض النظيف.

أخطاء كثيرة ارتكبت من قبل الحراك ورواده الذين ضللوا الطريق، نتذكر جيدا مشاهد مظاهرة خرج فيها المئات بتاريخ ثمانية آب أغسطس عام 2011 بمحافظة حمص، كان المتظاهرون فيها ينادون بإسقاط النظام السوري، ولم ترفع فيها أيُ رايةٍ سوى علم المملكة العربية السعودية. أيضا كان من أكثر المآخذ على ما تم ابتداعه هو اتخاذ علم الانتداب الفرنسي على سورية كراية رسمية للحراك، وإقصاء علم البلاد الرسمي وهو ما خلق حالة من الاستهجان الواسعة في شرائح كبيرة من المجتمع السوري.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. أحيي الأستاذ والاعلامي القدير حيدر مصطفى على هذا الطرح فمن خلال السياق أخذتنا في رحلة ذكية لما يسمى بالثورة السورية المزعومة بكلمات مقتضبات معبرات.. أحب التنويه فقط سيدي الكريم ان في حمص ومنذ أوائل الأيام للحراك.. تم رفع علم اسرائيل في احدى حارات حمص.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here