حول الاستفتاء في إقليم كردستان

ziad-hafeth.jpg77

زياد حافظ

الأنباء حول إقامة استفتاء في إقليم كردستان تستدعي عدّة ملاحظات حول مبدأ الاستفتاء وحول الملابسات السياسية العائدة له.  فمن حيث المبدأ نعتبر أن حق تقرير المصير حق مشروع ولكن ينطبق على مجموعات تقبع تحت احتلال أجنبي. هذا لا ينطبق في رأينا على الواقع العراقي حيث الدولة المركزية ليست دولة محتلة. فالمكوّنات المختلفة للمجتمع العراقي أقرّت منذ عام 1970 الحقوق القومية للأكراد والاعتراف بلغتهم كلغة رسمية.  كما أن اتفاقية آذار 1970 أقرّت بالحكم الذاتي ضمن الدولة العراقية الواحدة والموحدة حيث يشارك الأكراد في الحكم في الإقليم وعلى صعيد الوطن العراقي.  لكن الخلافات التي نشبت بين الحكومة المركزية وبعض القيادات في الإقليم أدّت إلى إجهاض الاتفاقية.  وما زلنا نعيش تداعيات ذلك الأخفاق الذي فرّق بين أبناء الشعب العراقي.

نحن كعروبيين أبناء التيّار القومي العربي نقرّ بحقوق الأكراد.  فنعتبر المكوّن الكردي جزءا أساسيا من المكوّن العراقي كما نعتبره أيضا جزءا أساسيا من الموروث السياسي والثقافي المشترك للأمة العربية.  فلا نرى تناقضا بين المكوّن الكردي وجمع الأمة العربية.  فعروبة هذه الأمة لا تعود إلى علاقة الدم أو العرق بل إلى تجسيد الهوية التي تكوّنت مع التاريخ ونتجت عن مختلف الروادف لحضارات سابقة وحاضرة.  كما أن روح هذه الهوية هو الإسلام ببعده الثقافي والحضاري.  فعروبة الأمة جامعة ولا تفرّق بين الهويات الفرعية بل تعتبرها جزءا منها.  ونذكّر هنا أن مفهوم الأمة كما جاء في أول دستور عرفه العرب هو صحيفة المدينة اعتبرت مختلف مكوّنات المدينة من مسلمين وغير مسلمين من مكوّنات الأمة.

أما من حيث المقاربة السياسية لإعلان الاستفتاء فهناك عدة ملاحظات يمكن ابداؤها.  الملاحظة الأولى هي توقيت الإعلان وتوقيت إقامة الاستفتاء.  فبالنسبة لتوقيت الإعلان فيأتي في سياق تطوّرات خطيرة في المنطقة في الخليج العربي وفي الميدان في كل من سورية والعراق.  فالتطوّرات في الخليج أظهرت التصدّع في جبهة العدوان على سورية واليمن بشكل ملفت.  فهناك خلافات علنية بين حكومة الرياض وحكومة الدوحة، وهناك خلافات بين حكومة ابوظبي وحكومة الدوحة، وهناك خلافات بين حكومة الرياض وحكومة ابوظبي فيما يتعلّق بالساحة اليمنية.  ففي سياق التضييق على حكومة قطر وما يمكنها أن تقوم به من تحرّكات مع حكومة انقرة خاصة وأنه توجد قاعدة عسكرية تركية في قطر جاء الإعلان عن الاستفتاء كإنذار لحكومة أنقرة من القيام بخطوات تناهض خطوات حكومة الرياض وابوظبي.

الملاحظة الثانية هي تحديد موعد الاستفتاء وهو عشية ذكرى الانفصال بين سورية ومصر.  وكأن الاستفتاء يبشّر بالمزيد من الانقسام والانفصال.  لم تستوعب النخب الحاكمة في إقليم كردستان أن الانفصال ليس حلاّ.  والدليل على ذلك هو جنوب السودان الذي أحرز على “استقلاله” ليغرق في صراعات داخلية قبلية.  وليس هناك من حلول إلاّ ربما بالعودة إلى نوع من الوحدة الاتحادية مع حكومة الخرطوم.  أما في الإقليم الكردستاني فإن الصراعات القبلية والحزبية قد تتفاقم في دولة “مستقلّة” لا يحسمها إلاّ العودة إلى كنف الدولة المركزية.

الملاحظة الثالثة هي أن الإعلان يعكس عدم تقدير دقيق لموازين القوة وربما يخضع ل “نصائح” صهيونية تسيء أيضا في تقدير الموقف.  فالصراعات العربية-العربية لا تعني أن اللحظة أصبحت مؤاتية للانفصال. فالتحوّلات في الميدان في كل من العراق وسورية تدلّ على أن المحور الذي دعم التفتيت والتقسيم والحروب الداخلية في حال تقهقر وأن الضجة الإعلامية حول أحلاف جديدة تعيد التوازن إلى المحور المعادي لمحور المقاومة ليس إلاّ ضجّة.  فما يُفقد في الميدان لا يُسترجع في الاعلام رغم ارتفاع النبرة والصراخ.

الملاحظة الرابعة هي أن الخطوة الأحادية لا تأخذ بعين الاعتبار مواقف عديدة أولها موقف حكومة بغداد، وثم دمشق، وثم طهران، وثم أنقرة، ناهيك عن الموقف السلبي من قبل الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمته موقف المانيا، تجاه الانفصال.  فعلى ماذا يعتمد دعاة الاستفتاء؟ أضف إلى ذلك لم تشارك كل المكوّنات الكردية في الدعوة إلى الاستفتاء ما يفقد تلك الدعوة “شرعية كردية”.

الاقدام على الانفصال لا يحمل ضمانة للنجاح وإن كانت نتائج الاستفتاء، إذا ما أقيم، دلّت على ذلك.  فمكوّنات الحياة في سلام ورخاء في بيئة معادية قد لا تسمح بذلك خاصة وأن الدولة المرتقبة لا منفذ لها إلى البحر للتواصل مع العالم تجاريا.  كما أن التقسيم قد يطال دولا أخرى في المنطقة القريبة والبعيدة تهدّد الاستقرار الإقليمي والعالمي. فعلى الانفصاليين أن يتوقّعوا مقاومة شرسة من قبل دول الجوار القريب والبعيد لدرء عدوى التقسيم الذي لن يأتي إلاّ بالمآسي.

الملاحظة الخامسة هي أننا نعيش في عصر التكتّلات الكبيرة على الصعيد الاقتصادي والسياسي. المزيد من التفتيت والتقسيم لن يؤدّى إلى الرخاء والرفاهية المتوخاة من الانفصال بل العكس.  فلماذا السير في عكس اتجاه التاريخ؟

*أمين عام المؤتمر القومي العربي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. لن يهدا بال للعرب الى ان يباد الاكراد عن بكره ابيهم
    الله اكبر
    على الظلم
    من قليل الله مسلط عليكم اليهود
    لان اذا تركتو تفعلون ما تشاؤون الله اعلم اي هاويه سوف تقود العالم

  2. أن قرب نهاية ولاية رئيس أقليم كردستان ، مسعود البرزاني ، هي واحدة من الأسباب في أستعجال الأستفتاء وسبباً آخر مهم وهو قرب الحكومة المركزية من تحرير الموصل وبالتالي سيكون لديها ، اي الحكومة المركزية، الفسحة من الوقت والتخطيط لأخذ تدابير ضرورية لردع حكومة الأقليم عن الأستفتاء والأستقلال، لذالك قد ترى حكومة الأقليم العجالة في الأستفتاء الآن ، ولو كان ضاراً ، أفضل من التأخير .
    وفِي جميع الحالات ، لو قليلاً فكر الأقليم بتفهم وببعد نظر ، لوجد أن الأستقلال ينقصه الكثير من مقومات الدولة ، علاوة على ذلك ان الأقليم محاطاً بدول لا يمكن ان تقبل بأستقلاله ، والأقليم ليس له منفذاً بحرياً وما الى ذلك من الأمور التي يجب التركيز والتفكير فيها وحساب حساباتها قبل الأقدام على خطوات متقدمة تؤدي الى وأد الدولة الكردية في مهدها .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here