حوراء الزبيدي ادانة الفشل والعزلة والظلم في “أمي كانت هنا”

بغداد – حمدي العطار:

يبدو لي ان القاصة الشابة حوراء تستطيع ان تستفز القارئ وهو يتابع مجموعتها القصصية (أمي كانت هنا) وهي التي فازت مع مجموعة من الشباب والشابات بمسابقة تقام سنويا من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق،وتطبع الاعمال الفائزة بالمسابقة.

*كابوس هي الحياة

تبدأ حوراء بهذه القصة (الجريئة) “كابوس” التي يمكن ان نعدها صرخة ادانة من جيل الشباب للوضع الفاشل السائد بالعراق،انها تسخر من الظلم بطريقة فنية راقية “انا احدثكم من العالم الآخر انا بخير للغاية.. .انا من جهنم” وتسترسل القاصة من خلال التلاعب باللغة التي تنساب بشكل سريع ليصل القارئ الى النهاية المؤلمة عبر تمهيدات عديدة كل جملة تصلح ان تكون قصة قصيرة جدا “نحن لم نسرق ولم نأكل حراما ..لذلك رمينا في جهنم” الحياة البشرية عند القاصة تملك بعدا فلسفيا، فهي اقل منزلة وادنى قيمة من الحياة العادية لذلك تستحق اللوم والندم “انا اتلصص عليهم احيانا، هم يحتسون الخمر ويتنعمون مع الحور ويأكلون الفاكهة ….، عندما سألت أحد الملائكة ماذا فعلوا ليدخلوا في هذا الجنات؟ أجاب لقد سرقوا الجميع!

هنا القصة تؤكد بأن محتمعنا انقلبت فيه موازين ومعايير التقييم وبإن أحلامنا الجميلة اصبحت كوابيس مرعبة ومزعجة ،وبالتالي الخيال ليس أجمل من الواقع “آه آه تذكرت انا في الدنيا وليس في الاخرة!”

*جزء من مجموعة

القاصة حوراء لا تؤمن بالاغتراب الابدي وتحاول ان تكسر العزلة والخوف في قلوب الذين حولها، وهذا ما تشير اليها بعض تلك القصص ( من أنت، جنون،تأمل، مع حبيبي،وزهايمر) ففي زهايمر لا تمنع البطلة نفسها من التمتع بجمال الطبيعة وسعادة العمل على الرغم من انه كان (شاقا) وان امها مريضة بمرض الزهايمر المزعج ،تعطف بطريقها على بائعة المناديل الورقية (اعطيتها نقودا فعلت فمها ابتسامة مشرقة كشمس الصباح) ان شخصيات القصص يملكون بعدا انسانيا وهم او هن جزء من مجموعة صغيرة هي (الاسرة) ومجموعة كبيرة هو (الوطن) حتى لو تعرضن للاذى والنكران فالانتماء عند حوراء واجب وهوية فالام في قصة (زهايمر) تسبب لأبنتها الاذى والخوف “وصلت الى المنزل فوجدت ابواب المنزل مشرعة – كان بودي عدم تكرار كلمة المنزل مرتين يكفي ان نقول (ابوابه مشرعة) – ولم أجد امي في المنزل(مرة ثالثة)- غير ضرورية- خرجت خائفة ابحث في الازقة حتى تورمت قدماي،عدت الى المنزل فوجدت بائعة المناديل الصغيرة مريم ومعها رجل عرفت أنه أبوها،وهما يوصلان امي الى البيت” تملك حوراء لغة اشارية جميلة استخدمتها في المجموعة وهي تختفي دائما خلف بطلاتها في المجموعة من خلال الاستعانة بظلال المعاني!

*استبطان الذات

إستطاعت القاصة حوراء الزبيدي في قصة (أمي كانت هنا) وهي عنوان للمجموعة القصصية، ان تقترب كثيرا من الجانب النفسي للحرمان وادانة الواقع بالحلم ،واختارت البطلة الطفلة (رؤيا) المدللة،والدخول الى عالم الطفولة لن يكون من السهولة الفنية من ناحية الشكل (الحوار) او المضمون(الجوهر) فرؤيا تحلم بوجود والدتها في غرفة النوم وهي ترتدي (المعطف) وجود المعطف في القصة له رمز (الدفء والحنان) للأم المتوفية،ليلى اختها الكبيرة تريد من رؤيا ان تغادر محطات اللاشعور فتقول لها :رؤيا ما بك؟ أمي توفيت منذ عامين! لكن رؤيا تكرر وهي تبكي (امي كانت هنا) لكن ليلى تؤكد لها ان المعطف في الخزانة! وعندما لم تجدا المعطف في الخزانة تستغرب الاخت الكبيرة ليلى هذا الاختفاء ،لو كانت القاصة قد انهت القصة عند هذا المشهد لما كانت مؤثرة مثل النهاية التي اختارتها للقصة”ذهبت لأغسل بعضا من ثيابنا وجدت بينها معطف أمي الاسود… لم تكذب رؤيا أمي كانت هنا. كما ان قصة (أين ذاتي)؟ فيها استبطان للذات ومحاسبتها!

*حزن وسخرية

لا تخلو المجموعة من مفردات الموت والفراق والانتحار وكذلك المرض (السرطان) وتتناول اكثر من قصة هذا الموضوع (لقاء مرتقب،صفعة في مكانها،لماذا تخليتم عني،سفر إلى السماء، خطة ، زجاجة خمر) وفي قصة وطن تحاول القاصة اعطاء تفسير مناسب للوطن (هو كل ما نسكن ونلجأ اليه) وحينما ارادت ان تكتب انشاء بالمدرسة عن الوطن يخونها التعبير لتكون جملتها الاخير “الوطن ما نسمى باسمه وانا لست عراقية انا ((ريانية)) وهكذا فقدت درجة التعبير فوضعت لي مدرستي صفرا بكل حب وجدارة”لم افهم انا معنى كلمة ((انا ريانية)) وبذلك فقدت عندي القصة (ضربتها)وكنت اتمنى ان تتتهي القصة بالعبارة (وانا لست عراقية)!! وتتجلى السخرية في قصة (انتماء) وهي عبارة عن حوار بين البطلة وصديقتها التي تتخيل ان زوجها سوف يخونها على الرغم من أنها غير متزوجة!”قالت نعم انا فقط تخيلت عندما اتزوج وزوجي يخونني ماذا سيحصل بي، أصابني حينها الاشمئزاز، نعم الاشمئزاز وليس اقل من ذلك، إنني انتمي لفصيلة النساء الحمقاوات”

فضاء المجموعة القصصية لحوراء الزبيدي كان مفتوحا على المستقبل فهي اختارت في اكثر من قصة (عالم الطفولة) الخالي من العقد ويتصف بالتلقائية، اسلوبها يملك شحنة جمالية ،تحتاج الى التركيز على الانفعالات الداخلية والنفسية للشخصيات وشيئا من وصف المكان.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here