حوار صاخب مع معارض سوري

 ismaeel alqasimi alhusni1

اسماعيل القاسمي الحسني

الحقيقة المُرّة أن هذا التوصيف لا ينسحب على المعارضة السورية كحالة شاذة، بل قد يشمل معظم المعارضات في عالمنا العربي مع الأسف الشديد، وإنما أتناول السورية منها على وجه الخصوص، فقط لكون سورية اليوم هي العنوان الأبرز في الاعلام و البند الفاتح لكل لقاء دولي او اقليمي، والمحور الرئيسي حاليا الذي تدور حوله التشابكات السياسية و تجاذبات المصالح، ولن أعتمد هنا وصف بعض الوجوه البارزة في المعارضة السورية لنفسها، سواء تلكم الموثقة في مقالات كما جاء في كتابات ميشال كيلو (صحيفة السفير) قبيل التحاقه بالمجلس الوطني، أو تصريحات قادتها لوسائل الاعلام وعلى صفحات شبكة التواصل الاجتماعي، كهيثم مناع و أحمد الخطيب وبرهان غليون و غيرهم، وكلها صفات لا تخرج عن القذف و الاتهامات الفاحشة الجُرم، تصل لدى العقل المتحضر لدرجة الخيانة العظمى، حتى وإن لوى عنقها الاعلامي فيصل القاسم معتبرا “فضح ممارسات المسؤولين في المعارضة السورية وكشف تجاوزاتهم بمختلف أنواعها تصرف صحي ومطلوب، فلا نريد أن نصنع أبقاراً مقدسة جديدة” (01/10/2013 صفحته الرسمية)، في حين أنهم يعتبرون فضح بعض ممارسات المسؤولين في النظام السوري، دليل إفلاسه و فساده الذي لا يحل معه إصلاح و لا يستصاغ تصوره،    و الحال أن اعتبار انكشاف سوءة الفساد لدى المعارضة السورية تصرفا صحيا، هو بعينه وجه من أوجه صناعة القداسة لعجل السامري الأمريكي.

إنما أعتمد على تجربتي الشخصية والتي لا يرقى ليقيني بصحتها شك، ملتزما بأمانة الرواية والنقل، دون ذكر أسماء شخصيات بعينها، معولا على دراية المتابع و ذكاء القارئ، فضلا عن كون هذا النقد لا يستهدف الأشخاص و إنما السلوك و طريقة التعاطي مع الآخر. بداية الأزمة السورية و حين تشكل قطب المعارضة في الخارج، سمعت لازمتين لا تفارقان كل مداخلة أو تصريح لرمز من رموزها، الأول رفض مطلق للتفاوض مع النظام السوري، و الثاني أن النظام السوري عميل للكيان الإسرائيلي، و دليلهم على ذلك أنه لم يطلق رصاصة واحدة لاستعادة الجولان المحتل. تواصلت مع أحدهم داعيا اياه و من معه لإعادة النظر جديا من موقف مقاطعة الحوار مع النظام، والعدول عن شرط رحيله، لأنه بكل بساطة يعتبر إعلان حرب، لن يربحوها و الخاسر الأكبر هو الشعب السوري، مستدلا بشعار المعارضة الجزائرية عام 1991 “لا دراسة لا تدريس… حتى يسقط الرئيس” وموقفها هذا الذي حذرناها جهدنا من تداعياته الكارثية، والنتيجة طبعا لا تحتاج لاستعراض او تفصيل، خراب بلد ومئتي ألف ضحية،          و غيرها من التجارب المريرة، سواء في العراق أو في ليبيا، أمثلة نعيش مآسيها يوميا، لكن صاحبي هنا رد بعبارة انشائية تنضح بالتعالي، كما وصفه سامي كليب في حواره مع اذاعة مونتي كارلو، عقدة تميز المشارقة العرب عن المغاربة، زاعما أن الشعب السوري ليس كالجزائري، وأما عن العدو، فإني دعوت هذا التشكيل المعارض قبيل اجتماعه الأول، أن يُضمّن بيانه الختامي بندا يعلن فيه ضرورة استرجاع الجولان بالقوة، و اعتبار الكيان الاسرائيلي عدوا محتلا بكل وضوح، لافتا انتباه تلكم الشخصية، بأنهم إن فعلوا ذلك فستغلق فورا في وجوههم كل الأبواب، وتوصد دونهم كل الفضائيات؛ غضب الرجل الى درجة اهانتي على صفحته، ثم حذفني منها قبل الرد عليه، وانتظرت بالفعل نص البيان، الذي تلاه حينها جورج صبره، وقد تدحرجت قضية الجولان الى آخر نقاطه، معتبرا النظام السوري محتلا لأرض سورية، و العدو الاسرائيلي مجرد معتدي، والأدهى قولهم:نعمل بكل الوسائل المشروعة لاسترجاع الجولان (المشروعة في مفهوم الدول  الراعية للمعارضة يعني مفاوضات سلام لا نهاية لها). ومقدمة البيان يعملون على ازالة احتلال النظام بالقوة العسكرية.

الموقف الثاني كان مع رمز آخر يحمل شهادة دكتوراه، يحسب على التيار الاسلماوي، كنت أراه يتمتع بشيء من الوقار و التواضع على شاشة التلفاز، وهو يحاور بعض الشخصيات الفكرية، هالني موقفه من حادثة اغتيال فضيلة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، والعبارات التي تفيض شماتة في الشيخ، تدخلت على صفحته لألفت انتباهه الى براءة المسلم السوي من سلوك كهذا، و ما تعلمناه أن نبي الرحمة (ص) حين مرت أمامه جنازة يهودي قام إجلالا للحدث بحد ذاته،  فرد بسخرية مقززة وعبارات حادة وعنيفة، أسقطت أقنعة السكينة المفتعلة و الوقار المتصنع، و بكل فجاجة يدعي بأن الشيخ من “شبيحة” النظام عليه كذا و كذا ثم ضمني إليه سبا، و حذفني من صفحته غير مأسوف عليه.

الموقف الثالث، كنت أكتب في صحيفة دولية مرموقة، لي فيها كل أسبوع مقال، تميزت الصحيفة بتبنيها لكل الآراء و إن خالفت خطها متى اتسمت بالموضوعية و الطرح المسؤول، وصادف أن كان رئيس تحرير الصفحة من المعارضة السورية وناطقا باسمها، و تعدد ظهوره في الفضائيات، مبشرا كل مرة بقرب سقوط النظام، واصفا مرة محاصرة دمشق، وأخرى اقتراب الثوار من قصر الرئاسة، وبلغ الأمر بالتأكيد على اقامة الرئيس السوري في بارجة حربية سورية، أشفقت على الرجل منذ البداية، ودعوته لمراجعة معلوماته، و تبين الحقائق بدل أن يكون موضوع سخرية و تندر، فما كان منه الا أن حجب كل مقالاتي معرضا حتى عن تفسير المبرر لذلك؛ و الحقيقة أنني لم أكن قارئ فنجان، بل أحمل تجربة جزائرية ثرية كان لأي معارضة شريفة أن تستفيد منها، أذكر هنا أخا لي رحمه الله، أيام اشتداد التجاذب في الجزائر، خرج علي مكبرا و مهللا، فسألته عن السبب، أخبرني بأنه كان على اتصال مباشر بمكتب رئيس حزبه (اسلماوي)، و أعلم بأن الرئيس الشاذلي بن جديد هرب، و لكن المجاهدين ألقوا القبض على رئيس الحكومة، و كل العاصمة تحت سيطرة ميليشيات الحزب، و كانت الفرحة في عيني أخي المسكين تكاد تحلق به، فقلت له: تأكد بأن من كان على الطرف الثاني للهاتف هو أحد رجال “الصاعقة”، و شيخك الآن وراء القضبان، أرجو فقط أنك لم تعط اسمك. غضب مني أخي و اتهمني فورا كما هؤلاء بالعمالة    و كيل من الشتائم الاخرى، و لم يستطع التمييز كما القوم اليوم بين العمالة و العلم بالواقع، مساء عاد الي أخي تصطك اسنانه من الخوف، لقد أعلنوا فعلا اعتقال “الشيخ” في الساعة التي اتصل فيها.

أخيرا، كل هذه الأحداث مضى عنها أكثر من عامين، مازال نظام سورية قويا قائما معترفا به، و مضى الشيخ البوطي الى جنات عدن و غاب الشيخ القرضاوي، و كل العالم غير أشرعته نحو شاطئ النجاة بضرورة التحاور مع السلطة السورية دون شروط، إلا أطراف المعارضة التي تجتر موقفها وكأنها تقول: لا أريكم إلا ما أرى…..ولو أنها كانت فعلا ترى، لما بلغت هذه الحال المسخرة.

فلاح جزائري

ismailelkacimi@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. لا يحتاج الأمر الى كثير من التوضيح ا(المعارضة السورية) جلها كانت ـامل في السيناريو الليبي و كانت تراهن على الفضائيات و لم تلتفت لانفتاح النضام عليها وايجاد حل يجنب الوطن الدمارفارتمت في حضن من له حسابات مع النضام السوري آملتا أن يكون هناك تدخل أجنبي ولم تكن تقرءـالواقع السوري وقوة الجيش و النضم فلم تكن هناك انشقاقات كبيرة سواء في اجهزة الدولة (وزراء و سفراء وحتى فنانين و كتاب )أو في المِؤسسة العسكرية . ثم بدأت تراهن على التجييش الطائفي وهدا أكبر دليل على افلاسها .وسيحاسبون على خيانتهم للوطن

  2. مقالة رائعة ,اضاءت على كثير من اخطاء ونرجسية مايسمى المعارضة السورية .انها في الحقيقة مجرد اناس تجردوا من كل شرف ووطنية وباعوا بلدهم للاجانب للاجهاز عليه وتدميره .سيد اسماعيل نحن كجزائريين ندرك جيدا مايجري في المشرق منذ الاربعينات ونحن نسمع جعجعة ولم نر طحينا اللهم الخطب الرنانة والعمالة ,حتى ان الموساد تعرف كل مايجري داخل اسرة النخب السياسية في دول المشرق بدليل ان مايجري هو يصب في صالح اسرائيل لذا لاارى مايدعوا المشارقة الى الافتخار بانفسهم تجاه اخوانهم في المغرب الا من بعض النرجسيين المتأثرين يثقافة الف ليلة وليلة السحرية ..تحياتي لك

  3. منذ ان انطلقت المعارضة السورية وانا ادعوا الله ان يدرك المعارضون انن سوريا الشعب والوطن لاتهم احدا الاابنائها وكم كنت اتمنى ان يدركوا ان الامر يتجاوز القطرية الى العالمية من حيث تقاسم النفوذ والمصالح وان عليهم ان لايركنوا الى الول الداعمة سواء كانت دولا شقيقة او دول جوار لان جميع هؤلاء ادوات لغيرهم وانهم سيعملون على السيطرة على قراراتهم وتوجهاتهم ولايهمهم تدمير وطنهم ولكن لغتهم والتي عرضها الكاتب كانت كافية للقول ان اسوأ شيء يمكن ان يصيب السوريين لاقدر الله هو وصول امثال هؤلاء لقيادة سوريا وبالمناسبة كم كنت استغرب تقبل السوريين وكل الشعوب العربية لانظمتها قبل عقدين من الزمن فمن زار سوريا قبل عشرين عاما وزارها قبل اندلاع ما يسمى بالثورة يدرك حجم المؤامرة

  4. أشكرك سيدي ان المعارضة السورية لم تكن سوى بوق تعمل لأجندات غير أجندتها ففي كل كتاباتي كنت أتحدى و أقول للمعارضة أنتم تغردون خارج السرب الحرب بالوكالة لغيركم اجتمعوا و ابحثوا عن حل لبلدكم أفضل من الاقتتال بدون طائل و النظام السوري أقوى بكثير من الحالة الجزائرية في التسعينات و مع ذالك اللمسلحين منيوا بهزيمة نكراء أمام جيش كان يلملم قواه بعدما قضى عليها الرئيس الراحل هواري بومدين لمنع الانقلابات فكيف بالبجيش العربي السوري و تماسكه و بعدج نظر و التحام قيادته و لكن الغباء كان أكبر منهم و دليلهم و استغلوا و دفع بهم للشارع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here