حمّادي معمّري: تونس: نفق مظلم يسوقنا إلى حتفِنا

حمّادي معمّري

هنا أين تستوطن حالة من الترقب والريبة وحتى الخوف من الآتي هنا ونحن نُساق سوقا كالخِراف إلى المَسْلخ , ليس لنا من مفرّ إلا التسبيح و التضرّع في الوقت الضائع انتظارا لحتفنا , في هذه الأفنية المظلمة من الوطن التي قد تحملنا في الساعات القليلة القريبة إلى قدرنا المحتوم .. من زمن بعيد نبحث لأنفسنا عن نقطة ضوء في هذا النفق الطويل المظلم نسترق منها الهواء والضوء و نخاله أملا أو حلما .

نكاد نسبُّ زماننا هذا ونحن في غنى عن السّباب والشتائم , ما الذي يحدث حولنا ؟ والى نحن سائرون بتؤدة قاتلة ؟ ما كلّ هذا الصمت المريب؟ أهو المخاض العسير ؟ و كيف سيكون المولود ؟ أسَويّا ؟ أم مشوَّها كواقعنا؟ .

لا يمكن أن تتغير الأشياء بمحض الصدفة أو دون إرادتها ونحن كما نحن يسكننا الخوف و يعشش فينا . ينبت فينا عُشب التوجّس و الرّهبة ويحول دون انبجاس أغصان الحرية والأمل .

فما هو مترسّب في الوجدان والعقل لسنوات عجاف قاحلة رمت بعروقها في أعماقنا بات التنصّل منها صعبا .

نحن نسلّم بالأشياء ..نمتعض حينا .. نتلكأ ثم نضع الكفّ على الكف و نقبل بالأمر الواقع دون أي حراك .

كل ما يحيط بنا يدعو إلى الريبة إلى الشك والى التفكير . ما الذي جعلهم يتصرفون إزاءنا بهذا الشكل ؟ سؤال يطرحه العاقل على نفسه في اليوم آلاف المرات و اقصد العاقل من يُعمل عقله ولا يسلِّم بالأمر الواقع .

لماذا لا نرفض ؟ لماذا لا نصدع برأينا ؟ لماذا أكلنا التواكل و الكسل إلى حدّ التحلّل في التسليم بواقع الحال و التضرّع للسّماء علّها تمطر ذهبا أو حلا سحريا لأزماتنا المتفاقمة والمتراكمة .

هل نحن فعلا من تحدّث عنّا كل العالم ؟ هل نحن فعلا من رفضنا الاستبداد والظلم و الفساد والرشوة و..و ..

من انتم ومن أين انبثقتم ؟ حالة من البؤس المتفشي و الذي يتنفسه التونسي أينما حلّ ..حالة من الغموض ومن الريبة تكتنف المشهد العام في البلاد و هي على حافة الهاوية أو تكاد..وانتم لا زلتم هنا تبيعون الوهم للناس و تتاجرون بآلامنا على الملأ . مسحة من الألم الكامن في النفوس والغموض السّاكن فينا يتربص بنا كل حين .

 في كل شبر تطأه قدماك في تونس يعترضك البؤس مكشرا عن أنيابه فاتحا فاه لالتهام المزيد من اليائسين .

تتخبّط البلاد في كبد أزمة اجتماعية واقتصادية مستعصية أطرافها متشعبة تتصارع فيما بينها كالحيتان الضخمة في أعماق المحيط لا على مصلحة الوطن و ساكنيه بل على مصالحها الضيقة السياسية و الحزبية و الغاية الكبرى و المنتهى هو التمكّن سياسيا و امنيا و اقتصاديا ليتحكموا في رقابنا كيفما شاءوا و لينعموا برغد العيش و يتفيؤوا في ظل أوجاعنا ..

بهذه الحال عُدنا إذن إلى المربّع الأول : عشّش الفساد و عمّ الخرابُ البلاد و ساد الفقر و انتشرت الحاجة إلى اللقمة التي تسدّ الرمق .

جاع التونسي اليوم و أصبح غير قادر على تأمين قوته وقوت عياله لشهر كامل من مرتبه واحدة من الدراسات الموثوق بها تحدثت عن أن مرتب التونسي لا يكفيه إلا أسبوعا واحدا و بقية الشهر يلوك الفراغ و يتلمظ المرارة .

أصبحت سِلال المهملات ملاذا الهائمين الكادحين بحثا عن بقايا أكل و قوارير بلاستيكية يجمعها و يقدّمها لنقاط تجميع البلاستيك مقابل ما يعادل دولارين أو ثلاثة في اليوم يعيل بها عائلته عائلات بالجملة تقتات من قوارير البلاستيك الفارغة حوالي 300 ألف شخص يصارعون الحياة بجمع القوارير البلاستيكية الفارغة.

فهل تفطنوا إلى ذلك ؟ أم أن هؤلاء من الغرباء ؟

تغوّلت اللّوبيات المتحكّمة في مفاصل الدولة وتشعبت علاقاتها بمافيا المال .

 و استبدّ بنا السّاسة وأصبح همّهم مصالحهم فضيّقوا على الشعب فسحة الحياة و يمُنّون عليه بالفتات .

 لم تعد تفصلنا عن الهاوية إلا بعض الخطوات الخانقة للمواطن و السّالبة لكل بصيص أمل ولكن تيقنوا أن حتفكم سيكون قريبا .

سيكنسكم من تعتبرونهم أرقاما انتخابية تتصيدونهم أشهرا قبل الانتخابات عبر الرشاوى الانتخابية والابتزاز .

وان لم نفعل فافعلوا بنا ما ئشتم ….

كاتب صحفي من تونس

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here