حميد لعدايسية: اكتب عن جزائر المعاني والملحمية الجنائزية

 

حميد لعدايسية

موضوع هذه الغربة تتلخص في أن الكتابة حق مطلق لأن ثمة من اللاشعور الأعمق والأعبق نداء لا يتوقف ويردد: أن واصلوا الكتابة دائما وأرفعوا رؤوسكم وأبحروا الى الغرض العظيم. وماذا يكون الغرض العظيم؟ لاطالما تبدى لنا الأزمات شتة… في) المحنة الدموية( في نهاية القرن العشرين، وأخرى في )الجريمة الحضارية( في مطلع القرن 21 والمستمرة لحد الان خارجا عنا مرة وكاملا فينا أخرى. وفي كل هذا وذاك كانت راية الاقدم-عند الأقلام الشريفة- تخفق عالية معلنة وجود أقلام تحتدم شوقا وتتضرم رغبة، وتتفجر عناء، وتتقد عرفانية. وكان أعظم ما في هذه الأقلام وأروع خصائصها الشوق في البحث عن)جزائر المعاني( يالها من عبارة ملحمية باسلة أختفت وراء ألف حجاب من الفساد !، نبحث عليها اليوم دون أن نجد لها وجودا…ولا مدلولا حضاريا، ولا سموا تاريخيا بعد أن أعتلت علة مثال شلتها عن المسير والتطور.

كثيرا ما تراودني هواجس مخيفة عن حياتنا الاعلامية التي نحياها في ظل هذه الأوضاع المخزية، والتي نزعت منا كل نخوة أمازيغية ونشوة نوفمبرية وعزة تاريخية، كم أتمنى من تلك الهواجس التي تؤزم أوضاعنا الجنائزية، وتهز كيانا المحتضر باحتضار؟… وهي متحققة على أرض الواقع، هاجس يميل الى اليقين الذي لا يصعد اليه أدنى شك بأن أغلب المثقفين ذوي القدرة الفكرية الخلاقة، يقفون من أوضاعنا الجنائزية المخلة بالحياء التاريخي، والشرف الحضاري، موقف المتفرج يتابعون  التمثيل المخل بالحياء فان أعجبهم صفقوا له، وان لم يعجبهم أمسكوا عن التصفيق، كأن الأوضاع الجنائزية والسياسات التضليلية التي تقف وراءها مخابر )القردة الخاسئين(، الذين أسسوا )خلية استقبال واستجابة( )في صدرة منتهى الأحقاد( لتطبق المراسيم الجنائزية بدقة متناهية، علما أن هذه الخلية تأسست في مراسيم جنائزية لأكبر ممثل لأجنحة المكر العالمي في المنطقة… والمضامين تفهم من خلال السياقات المسكوت عنها.

من هنا كان الفارق بعيدا بين ما تسمعه في أحاديثهم الخاصة تعليقا عن الوضع الجنائزي، وبين ما يعلننا عنه في الكتابة والتصريحات في مختلف وسائل الاعلام؟ قد يقول من يقرأ هذه الحالة الغريبة غربة صاحبها: انها سكرات تغط صاحبها في بحر التشاؤم، ومن العجز أن يشعر بـ: )جزائر العزة والكرامة( وما فيها من مسرات وانفجارات للأوضاع، وحراقة أستحبوا الموت على الذل لكي يبحثوا عن)جزائر المعاني والقيم الوطنية مضرجة بدماء الشهداء، الذين تحولوا الى قتلى في جزائر )العزة والكرامة(. وحتى لا أكون لصا أو مرتزقا يتوارى خلف ألفاظ بالية من التفكير أكون سعيدا أن يقرأني قارىء نوفمبري أصيل أستحب الحَرقة على الحُقرة وأستلذ الهجرة من جزائر الجغرافيا التي أمتلأت بوحوش الفساد لكي يبحث عن المضامين التاريخية والحضارية في المهجر، وله في شعراء المهجر اسوة حسنة لمن كان يرجو تحرير وطنه من خلية أجنحة المكر التي تعبث في هذا الوطن. وما فكرة هذه )الغربة( من هلع وثن فيه روح القردة الخاسئين يريد أن يقوم بتصفية هذا الوطن)تاريخيا وحضاريا( ويتركه جغرافيا للمارين وهذا ما تؤكده كل الدراسات الاستشراقية قبل الحملة الفرنسية وبعدها حيث تناول مؤرخو الحضارات وخاصة منهم المستشرقون المغرضون تاريخ جغرافيا السكان شمال افريقيا-والجزائر منهم- يصطدمون بظاهرة قلما حدثت في تاريخ الشعوب العريقة والأصيلة وهي فقدان حضارة ينتسبون اليها وتنسب اليها، وتصبح عنوان تراثهم اللغوي والفكري والعمراني واسهامهم في تاريخ البشرية، فبلاد المغرب في نظر مؤرخي الحضارات كانت مسرحا لأحداث جرت تحت سمائها وفوق أرضها ولم تكن منبعا لحضارة نبتت فوق أدمها.

وهذا ما يؤكده المفكر الفلسطيني المرحوم  ايدوارد سعيد، عندما تتناول نظرة الغرب الى الشرق حيث أكد في مواطن كثيرة من كتبه الذائعة الصيت: )الاستشراق -الثقافة الامبريالية(: أن الغربيين كونوا جملة من الصور لتمثيلية لا تخلوا من التجريح والمبالغة في احتقار الشرق -والجزائر دولة من الشرق الاسلامي- ومصطلح التمثيل يقصد به سعيد: )اعادة بناء الشرق بعيدا عن واقعه…مستبعد عن الواقع التاريخي والنفسي في أمم الشرق، ومستبدل له بصور خيالية…انها أسطرة الشرق من قبل الذهن الغربي  هذا التمثيل أستعمل من طرف قادة فرنسا ليجسدوه على ارض الواقع في جزائر تغير ملمحها التاريخي، بفضل هذا التمثيل المتراكم تاريخيا، وهاهو موريس طوزر الكاتب العام للحزب الشيوعي الفرنسي يؤكد هذه التمثيل بقوله يوم 11/02/1939 في العاصمة: )انها أمة في طور التكوين خليطا من 20 جنس(. ويؤيده ادغار فو رئيس الحكومة الفرنسية سنة 1955) انها لم تكن أبدا ولا دولة في التاريخ( يستمر هذا التمثيل مع الجنرال ديغول سنة 1959 حيث قال مثمنا التمثيل لم تكن هناك أبدا في أي ظرف من التاريخ وبأي شكل كان، دولة جزائرية (ويكمل هذا التمثيل جيسكار ديستا سنة 1975 عندما قال )انها دولة ولدت( أخيرا، وذلك بعد التصريح الذي قاله في لمطار أثناء الزيارة في نفس التاريخ) فرنسا التاريخية تحيي جزائر الاستقلال( كيف لا أتشاءم وأدبياتهم مجسدة على أرض الواقع رغم أنف الجميع، وعلى الرغم من ذلك أقول لمن في قلوبهم مرض (جزائر العزة والكرامة) وبذلك ليس التشاؤم أن نحاول استشراف الملابسات التاريخية ونستشرف معها الطريق الذي نسلكه، ونرى انسدادا يقل توقف…التشاؤم في رأيي أن تهدم أغلب الكتابات ارادة الأمة بالتضليل وتعجز بذلك على تحمل ولو قليلا من الاعتزاز بكرامتها فتذهب وراء تضليليات تدفقها في غيبوبة من الرقاد الطويل، فلا ترى شمسا ولا قمرا، لأنها في غيبوبة مخذرة، واذا استيقظت استيقظت يائسة.

   لا حياة لكتابة لم تتقمص أوضاع ولم تعان معاناة أمتها، ولم تعبر عن محنتها، ولا تصبح كائنا حيا يدب في صوة انسان يجاهد ويقاوم ولا يساوم ويصمد ولا يستسلم…كذلك لا وجود لكاتب-في هذا المجال لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة واخلاص. ان التفريق بين الكتابة والكاتب كالتفريق بين الجسد والروح  عملية تكون في بعض الأحيان مستحيلة وفي بعض الأحيان تحمل معنى التحلل والفناء.

ومن هذه المنطلق نكتب عن (جزائر المعاني)، نكتب لأن الكتابة تشعرنا بأنها رابطة خفية المعالم تربطنا بجزائر المعاني لأن في الكتابة رحلة ملحمية نستقصي منها هذه المعاني من خلال استقصائنا لكيد الوثن الذي تحالف مع الشيطان الأصغر لتدمير المعاني وتسلم الجزائر كحروف علة للشيطان الأكبر؟ ليحذف الجزائر كملحمة بأدواته الجازمة، نكتب لأننا من خلال الكتابة نغرق في جزائر ملحمية أين منها جزائر الحروف جزائر ملحمية تشعرنا بالعملقة والضآلة في نفس الوقت، نكتب لأننا نبحث عن العملقة و الضآلة فينا وفي من حولنا، نرى من خلالها الأنفس البشعة التي تريد أن تفرغ الجزائر من معانيها في سبيل تكوين صورة ثانية عمن نحن؟ لأننا لا نريد أن نضيع في لوثة جزائر الحروف، واباحية حروف العلة التي لوثت أجواءنا الملحمية. ولن يتأتى لنا ذلك الا اذا كانت الكتابة صادرة عن نزاهة العقل، وأمانة الحس وشجاعة الروح، وسلامة القصد هي أخلاق الكاتب وفضائله التي يجب أن يتحلى بها قبل أن يرفع قلمه ويشرع في الكتابة. وخلاصة الغربة أن الكتابة عندي ترتكز على منطلقات ابستيمولوجية ثلاثة وهي : أن الكتابة بغير تمرد كالربيع في الصحراء، والكتابة والتمرد والحق ثلاثة قيم معرفية في ذات واحدة لا تقبل الانفصال ولا التغيير وهذه القيم تتولد عنها قيم أعمق، والكتابة بلا حريو كالجسم بدون روح والحرية بغير الفكر كالروح المشوشة- والكتابة والحرية والفكر ثلاث قيم حضارية في ذات واحدة ازلية لا تدوم ولا تضمحل، ومن الصعب على )الغريب( أن يتصور أنه يمكن أن يصل الى غاية نبيلة باستخدام وسيلة خسيسة كيف يهتدي الى استخدام هذه الوسيلة؟ حين يخوض الشط الممنوع ببركة من الوحل لابد أن يصل الى الشط ملوثا وبذلك فالكتابة نبوة عقلية وصاحبها يشترك مع النبي في الخلوة والتأمل في مصير هذا الوطن المتهالك من طرف الوثن ، هذا هو شأني (مع غربتي)، وكل كتاباتي وأترك الحكم لقرائي الكرام ولمن يشاطرونني في الرأي من شرفاء الأمة. وعلى الله قصد السبيل.

جامعي وباحث

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. نشكر جزيل الشكر الأستاذ المحترم لعدايسية على كل قطرة سالت من قلمه الذي يحمل حرقة قلبه وقلب كل غيور محب لوطنه الجزائر.
    بلادنا تعيش صراعات وتضليلات و انصهارات واضحة للعيان كالصراع الذي تعيشه الكتل السياسية في معاقلها من أجل مسك زمام الأمور و أي زمام فحواها كفحوى السابقين مجرد شعارات مبنية على ذهنية -مشي الأمور وتخطي راسي وتعدي- مشكلتنا هي واضحة غياب الضمير والأنانية الجامحة التي تسيطر على هذا الجيل أعني من هم في السلطة ومراكز القرار وتشبثهم بأفكارهم الغير صالحة لهذا السباق الذي نعيشه إذ يتطلب لفة جدية ونقلة نوعية بادخال الشباب ومد يد الاستغاثة له ليحمل المشاركات ويحي الرسالة النوفمبرية لنرى فيه روح الأمير عبد القادر و العربي بن مهيدي و مالك بن نبي والبشير الإبراهيمي وكل من تفوح رائحته عطر جزائر الرجال الاحرار.
    أستاذنا الشباب يناديكم ويرجوكم…ثقوا فينا وفتحوا الابواب لنا لأن مسقبل الجزائر يتلخص في شبابها.
    -أستاذ وجامعي واعلامي_

  2. نشكر الباحث لعدايسية على مثل هذه الكتابات، ولن تستطيع وحوش الفساد ان تسقط الوطن،لأن أبناء نوفمبر لا يسمحون بالسقوط، وسيتحقق التغير الديمقراطي السلمي قريبا، وسيحاسب التاريخ كل خائن لعهد الشهداء، ونريد فقط من الكتابة الفكرية والسياسية أن تمنح الأمل للاجيال القادمة،كي لاتمارس الهجرة غير الشرعية، وكي تميز بين كره الفاسدين والمختلسين،وبين حب الوطن، وكما اخرج اجدادنا الاستعمار سنخرج العابثين بالوطن من كل المؤسسات الدستورية الرسمية بطريقة حضارية وبوسائل قانونية، ليستقروا في السجون ، ولن نسمح بادخال جزائر الشهداء في دوامة العنف بسبب كمشة ذباب ،قد يترك النار مشتعلة و يهرب خارج الحدود،اكتب استاذ حميد نحن نقرأ لك

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here